شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٦ - ١٩ وَأَعْلامِ التُّقَى
ويبرع في إبداعاته في شؤون الحياة، غير أنّه ينظر إلى خالق الكون نظرةَ طلبِ العون والحاجة، ويدعو الواحدَ الأحد أن يعينه في حياته ويدفعه إلى ما هو أفضل وأحسن لدينه ودنياه، حتّى يريه اللّٰهُ خفايا حكمته في الحياة.
أهل التقوى أهل الجدّ والاجتهاد والقصد
والسؤال الذي تلزم الإجابة عليه هنا هو أنّ المؤمن إذا كان يفوّض اُمورَه كلَّها إلى اللّٰه تعالى، ويرى أنّه مستخلَفٌ في الأرض ولا يملك أيَّ شيء وكلّ ما عليه هو الالتزام بالواجبات والأوامر الإلهيّة، فما الدافع الذي يُحرّكه نحو الجدّ والعمل والعطاء؟
في الإجابة على ذلك نقول: إنّ دافع الإنسان المتّقي أكبرُ من دافع الإنسان العادي؛ لأنّه يرى في الجدّ والاجتهاد في الحياة عبادةً، فلا يَكِلّ ولا يَملّ؛ لأنّه يرى اللّٰه تعالی بصيراً به ومراقباً لأفعاله وحركاته، لذا فهو يعشق عملَه وعطاءاتِه واجتهاده. يتحدّث الإمامُ الباقر علیه السلام عن خصائص المتّقين قائلاً:
إنَّ أهلَ التَّقوىٰ أيسَرُ أهلِ الدُّنيا مَؤونَةً، وَ أكثَرُهُم لَكَ مَعُونَةً.[١]
إنّ القَصد والاعتدال والجَدّ من سِمات أهل التقوی، فهم أهلُ الجِدّ والاجتهاد في تحقيق الغايات السامية، وأهل التعفّف وخفّة المؤونة؛ إذ أنّ عظم المؤونة والتّواكل والكسل والملل من شيمة غيرهم.
كان صعصعةُ بن صوحان العبدي من حواريّي الإمام عليّ علیه السلام، وكان يبذل وسعه في مودّة الإمام، فاحتلّ بذلك مرتبةً متقدّمةً في سُلّم التقوى، ومن أجل حبّه وولايته لعليّ علیه السلام كان يُجابه معاويةَ ومَن حولَه من خواصّه مرّات عديدة.
ذاتَ يوم سمع عليٌّ علیه السلام أنّ صعصعةَ طريحُ فراشِ المرض، فذهب لعيادته وأثنى عليه قائلاً:
إن كُنتَ ـ لَما عَلِمتُ ـ لَخَفيفَ المَؤُونَةِ عَظيمَ المَعُونَةِ.[٢]
وفي حديث الإمام الباقر علیه السلام عن صفات المتّقين، فبعد أن أوضح أنّهم أيسرُ الناس مؤونةً
[١] . الكافي، ج٢، ص١٣٣، ح١٦.
[٢] . الغارات، ج٢، ص ٥٢٤.