شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٤ - ٣٩ وَعِبَادِهِ المُكْرَمِينَ، الذينَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ
بعد أن أسبغوا عليهم صفات تقترب من صفات اللّٰه تعالى، ورأوا أنّهم أسمى من البشر.
إنّ هذه الزيارة الشريفة ـ التي هي من تراث الإمام الهادي علیه السلام ـ صدرت حين كان بعض الجهلة البسطاء من عوام الناس يجتمعون إلى بعض الكذّابين من قبيل ابن حاتم القزويني وابن باباي القمّي، وكانوا يروّجون فكرتهم الإفراطية باسم الدين، وقد حارب الإمام الهادي علیه السلام هؤلاء، وقيل إنّه أصدر حكم القتل بحقّ بعض الزعماء منهم. والإمام علیه السلام في محاولته العلميّة هذه يُبرز إحدى خصائص الإمام ويبيّن حقيقة الإمامة، وخلاصتها: إنّ هؤلاء هم عباد اللّٰه ومخلوقون، وإنْ كانت فضائلهم لا تعدّ ولا تحصى.[١]
وقد ورد مضمون هذه العبارة "وعباده المكرمين" في الآية الكريمة:
(بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ^ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ).[٢]
إذ يصف اللّٰه تعالى الملائكة في هذه الآية بأنّهم عباد اللّٰه المكرمون المطيعون لأوامره، لا يعصونه ولا يسبقونه في شيء حتّى في القول، [وفيها إشارة إلى عصمة الملائكة]، كذلك القادة المعصومون علیهم السلام لا ينطقون ببنت شفة إلّا من عند اللّٰه[٣]، ويعملون بكلّ ما أنزل اللّٰه من تعاليم، حتّى أنّ المستحبّات صارت واجبة عندهم وباتت المكروهات محرّمة لديهم.
إنّ للإنسان الكامل في ساحة العبوديّة مقام رفيع جداً عند اللّٰه تعالى [وهو أعظم من الملائكة]؛ لأنّ الملائكة يطيعون أمر اللّٰه ولا يعصونه، وهم مجبرون على ذلك، غير أنّ الإنسان يصل إلى هذا المقام باختياره وملء إرادته، فيطيع اللّٰه محبّة له، وبالتالي يوازي مقام الإنسان الكامل مقام القرآن الكريم بحيث يدور معه حيثما دار حتّى يردا على الحوض، كما جاء في الحديث الشريف عن رسول اللّٰه صلی الله علیه و اله:
إنّي تارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَينِ: كِتابَ اللّٰه وَعِترَتي أهلَ بَيتي، لَن يَتَفَرَّقا حَتّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ.[٤]
[١] . اُنظر: أهل البيت علیهم السلام في الكتاب والسنّة: ص۶۰۱ (القسم الثالث عشر: الغلوّ في أهل البيت علیهم السلام).
[٢] . الأنبياء: ٢٦ -٢٧.
[٣] . اُنظر: الكافي، ج١، ص٥٣، ح١٤.
[٤] . المعجم الأوسط، ج٤، ص٣٣، ح٣٥٤٢.