شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٩٢ - ٩٨ مُحْتَمِلٌ لِعِلْمِكُمْ، مُحْتَجِبٌ بِذِمَّتِكُمْ، مُعْتَرِفٌ بِكُمْ
وقد تساءل الراوي عن معنى "مدينة حصينة" فأجابه الإمام علیه السلام:
القَلبُ المُجتَمِعُ.[١]
والقلب المجتمع يعني تلك القابليّة الباطنيّة لتلقّي معارف وعلوم الأئمّة علیهم السلام؛ فعلى الزائر صقل قلبه وبناء ذاته حتّى ينجح في الامتحان الإلهيّ أو يبلغ المرتبة العليّة من سعة الصدر وسموّ الروح بحيث يؤمن بأنّ مرتكز قول أهل البيت علیهم السلام أو فعلهم هو العلم والحكمة.
جاء في نهج البلاغة وصف الإمام عليّ علیه السلام لما يعلم حيث قال:
اِندَمَجتُ عَلىٰ مَكنونِ عِلمٍ لَو بُحتُ بِهِ لاَضطَرَبتُم اضطِرابَ الأَرشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ البَعيدَةِ.[٢]
وعليه يمكن القول: إنّ عبارة: "محتمل لعلمكم" إشارة إلى قصّة موسى علیه السلام[٣] حین لم يحتمل أفعال رفيقه العبد الصالح (الخضر) من خرق السفينة، وقتل الطفل، وبناء الجدار؛ فاعترض موسى عليه. أمّا الزائر العارف بمقام أهل البيت علیهم السلام فإنّه يخاطبهم قائلاً: "إنّ معرفتي بمقامكم العلميّ بلغت مبلغاً بحيث بتُّ مؤمناً بأنّ كلّ ما تقومون به وتقولونه مبتنٍ على العلم والحكمة، فلن أعترض عليكم أبداً حتّى لو لم أعرف السرّ الكامن [وراء القول والفعل].
وعليه يُحصّن أتباع أهل البيت علیهم السلام عقيدتهم في ظلال أهل البيت علیهم السلام.
والملفت للنظر أنّ عبارة: "محتمل لعلمكم" تمهّد الأرضيّة الذهنيّة لما يأتي من مسائل عقائديّة لاحقاً في الزيارة الجامعة بشأن الرجعة وانتظار الإمام الغائب والولاية التكوينيّة لأهل البيت علیهم السلام.
الأمان في ظلال أهل البيت علیهم السلام
رأى أكثر شرّاح الزيارة الجامعة أنّ كلمة: "الذمّة" في قوله علیه السلام: محتجب بذمّتكم" تعني الأمان.
يقول العلاّمة المجلسيّ رحمه الله في سياق شرحه لهذه العبارة:
مُستَتِرٌ عن المَهالِك بِدخولي في ذِمّتكم وَ أَمانكُم.[٤]
إنّ الإمام بالمنظار الشيعي هو الحصن الحصين والمأمن المطمئنّ الذي يمنح اللاجئ إليهم
[١] . المصدر نفسه.
[٢] . نهج البلاغة، الخطبة ٥.
[٣] . اُنظر: الكهف: ٦٥-٨٢.
[٤] . بحار الأنوار، ج١٠٢، ص١٤١-١٤٢.