شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٣ - ١٩ وَأَعْلامِ التُّقَى
(يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً).[١]
إنّ الهدية الإلهيّة التي خصّ اللّٰه عز و جل بها المتّقين هو الفرقان أونور البصيرة؛ والذي يخرجون به من الحيرة والتّردد ويسيرون على جادّة الحقّ والصواب، وهذه مكافأةٌ تُعطی للمتّقين في أدنى مراتب التقوى، أمّا من وصل إلى أعلى مراتبها فلا يمكن وصف أجره العظيم، يقول المولى سبحانه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ).[٢]
لقد أكّدت الآية على أنّ الإيمان برسول اللّٰه صلی الله علیه و اله، واتّخاذ أبعاد التقوى وسيلة لتطبيق مناهج الدين في المجتمع وفي بناء الفرد والاُسرة، ستكون حصيلته نورٌ يُهدى للإنسان، ليعيش تجلّيات هذا النور في وجوده وحياته.
العلمُ الحقيقيُّ نورٌ
نقرأ روايةً في غاية الروعة والجمال رواها "عُنوان البصري" عن الإمام الصادق عليه السلام تبيّن أهمّيّة نور العلم. كان عُنوانُ البصريُّ شيخاً كبيراً أتى عليه أربع وتسعون سنةً، وكان يختلف إلى مالك بن أنس سنين عديدة لتحصيل العلم، فلمّا حضر الإمام الصادق علیه السلام المدينة، اختلف إليه، فأحبّه وأحبّ أخذ العلم عنه كما أخذ عن مالك، غير أنّ الإمام علیه السلام لم يقبله في مجلسه وقال له: خذ عن مالك واختلِف إليه كما كنتَ تختلفُ إليه.
فخرج البصري من عنده مغتمّاً من ذلك، وذهب إلى مسجد رسول اللّٰه صلی الله علیه و اله وصلّى فيه وبات في الروضة الشريفة يدعو اللّٰه أن يعطف عليه قلبَ جعفر علیه السلام، ويقبله تلميذاً عنده، وفي نهاية المطاف دخل دار الإمام وطلب منه أن يأخذ عنه العلم، فقال له الإمام علیه السلام:
لَيسَ العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، إنَّما هُوَ نُورٌ يَقَعُ في قَلبِ مَن يُريدُ اللّهُ ـ تَبارَكَ وَتَعالىٰ ـ أن يَهدِيَهُ، فإن أرَدتَ العِلمَ فَاطْلُبْ أوَّلاً مِنْ نَفسِكَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، وَ اطْلُبِ العِلمَ
--------------------------------------
ب
[١] . الأنفال: ٢٩.
[٢] . الحديد: ٢٨.