شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٩٠ - ٧ وَمُنْتَهَى الحِلْمِ
فالعالم الحقيقي حليمٌ بالضرورة، والعلماء الذين ليسوا بحلَّماء محرومون من نور العلم والمعرفة، بل إنّ علمهم ليس نوراً، وإنّما هو مجرّد معارف متراكمة في أذهانهم؛ ذلك أنّ العلم بطبیعته يدفع الإنسان للحلم ويرفع مستوى احتماله أمام جهل الجاهلين، فالعالم الحليم في هذه الحال يعرف حقيقة الجهل والجهلاء، وبالتالي لا يتوقّع منهم السلوك القويم، وتدفعه هذه الرؤية إلى مستوى عالٍ من التحمّل والصبر.
نماذج من حلم أهل البيت علیهم السلام
إنّ أسمى الخصال وأرفعها في الدنيا والآخرة لدى رسول ربّ العالمين صلی الله علیه و اله، هي التجاوز عن المسيء والعفو عن الظالم، وأن يعطي الحليمُ مَن حرمه، يقول الرسول الأكرم صلی الله علیه و اله:
ألا أدُلُّكُم عَلىٰ خَيرِ أخلاقِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ؟ تَصِلُ من قَطَعَكَ، وتُعطي مَن حَرَمَكَ، وتَعفو عَمَّن ظَلمَكَ.[١]
إنّ هذا الكلام لرسول اللّٰه خير دليل على أهميّة الحلم، ويمثّل منهَج عملٍ لمن أراد أن يكون من زمرة الحلماء، علماً أنّ الرسول وأهلَ بيته الأطهار ضربوا أروعَ الأمثلة وأرقاها بحلمهم السامي عند الغضب، ولقد تحمّل رسولُ المحبّة الكثيرَ من الأذى والسخرية في مسيرة الدعوة إلى دين اللّٰه تعالى، فها هو يُرمى بالحجارة ويمسحُ الدمَ عن وجهه ويقول:
اللّٰهُمَ اهْدِ قَوْمي فَإنَّهُم لا يَعلَمُونَ![٢]
هذا السلوك المحمّديّ غاية في الحلم وقمّة في العطاء، فهو صلی الله علیه و اله لا يدعو على قومه وهم يؤذونه، وأقصى ما يقول في حقّهم بأنّهم جاهلون!
وقد كان أمير المؤمنين علیه السلام أكثر الناس حلماً في حرب الجمل عندما جيء له بمروان بن الحكم وعبد اللّٰه بن الزبير ــ وكانا معروفين بشدّة حقدهما عليه ــ أسيرين في المعركة، لكنّ الإمام عفا عنهما وخلّى سبيلَهما.
يقول الإمام زين العابدين علیه السلام في السياق نفسه:
[١] . الكافي، ج ٢، ص ١٠٧، ح۲ واُنظر: ميزان الحكمة، ج٦، ص٧٩، ح١٣٢٩٢.
[٢] . بحار الأنوار، ج٣٥، ص١٧٧.