شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٤٨ - ١٠٩ رَبَّنَا! آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرسول فَاكْتُبنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ، رَبَّنَا! لا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذْ هَدَيتَنَا
٢. ثبات القدم
الحاجة الثانية لزائر أهل البيت من اللّٰه هي أن يبقى ثابت القدم بالاستقامة على طريق الإیمان باللّٰه و العمل بما أنزله على رسوله صلی الله علیه و اله، وهذا الطلب في الحقیقة جاء في سیاق دعاء قرآنيّ آخر وهو قوله تعالی في الآية الآتية:
(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ).[١]
هذا الدعاء دعاء المتعمّقين والراسخين في العلم والعارفين بأنّه لولا فضل اللّٰه والمدد الإلهي فهم في معرض خطر الانحراف، وهذا ما جاء على لسان الإمام الكاظم علیه السلام مبيّناً تفسير الآية السابقة حيث قال:
إنَّ اللّهَ حَكىٰ عَن قَومٍ صالحِينَ أنَّهُم قالوا: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا...) حينَ عَلِموا أنَّ القُلوبَ تَزيغُ و تَعودُ إلىٰ عَماها و رَداها.[٢]
ولعلّ سائلاً يسأل: لماذا أزاغ ربّ العالمين قلوب بعض الناس بدلاً من أن يهديهم؛ وبالتالي اُصيبوا بداء الزيغ والانحراف؟
الجواب هو: إنّ مرض الزيغ نتيجة طبيعيّة لعدم سماع نداء العقل، فإذا ما انحرف الإنسان عن الطريق الذي يراه العقل طريق خير وصلاح، وكذلك قام بعمل يخالف حكم العقل مرّات عدیدة [مصرّاً علیه]، یصبح الانحراف عن الطريق القويم حینها من عادته تدریجاً فیستحوذ علیه و یصیر جزءاً من كيانه بحيث يصعب عليه حينئذٍ تركه والعدول عنه والتزام جادّة الصواب والصّراط المستقيم، بل قد يصبح ذلك في بعض الأحیان مستحيلاً، عندئذٍ يصاب القلب والعقل بداء الزيغ؛ والقرآن الكريم يقول في السياق نفسه:
(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).[٣]
أي: إنّ انحراف الإنسان السلوكي عن جادّة الحقّ يؤدّي إلى إصابة القلب والعقل بمرض
[١] . الأنوار اللامعة، ص١٩١.
[٢] . الكافي، ج١، ص١٨، ح١٢.
[٣] . الصفّ: ٥.