شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣٠ - ٥٩ فَعَظَّمتُم جَلالَهُ، وَأَكبَرتُمْ شَأنَهُ، وَمَجَّدّتُم كَرَمَهُ
نعم، إنّ الملك موجود مجرّد، وسرعته تضاهي سرعة النور، وهذا التمثيل أو التشبيه يفوق قدرة فكر البشر ولا يستطيع استيعابه، لكن من يدرك عظمة الحقّ يثني علیه لا شعوريّاً قائلاً: "سبحان ربّي الأعلى"، ونحن وإن كنّا نكرّر هذا الذكر مرّات عدّة، إلّا أنّنا غير مدركين علوّ الحقّ وعظمته.
عظمة اللّٰه من منظار الإمام عليّ علیه السلام
إنّ أهل البيت علیه السلام يدركون عظمة الخلقة ويرون كلّ الأشياء صغيرة ضئيلة أمامه، فيُكبّرون اللّٰه ويعظّمونه؛ فها هو الإمام عليّ علیه السلام يرى عظمةَ الخالق ويصغّر الأشياء أمامه مهما عظمت وكبرت، وهو يسبّح اللّٰه بقوله:
سُبحَانَكَ! مَا أعظَمَ ما نَرَىٰ مِن خَلقِكَ! وَ ما أصغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنبِ قُدرَتِكَ! و ما أهوَلَ مَا نَرىٰ مِن مَلَكوتِكَ! و ما أحقَرَ ذٰلِكَ فيما غابَ عَنّا مِن سُلطانِكَ! و ما أسبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنيا! و ما أصغَرَها في نِعَمِ الآخِرَةِ![١]
نعم، لعلّ بالإمكان اكتشاف عظمة العالم عبر الوسائل العلميّة، غير أنّه لا يمكن أبداً معرفة حقيقته، ومن يدرك حقيقة عظمة العالم هو الإمام من خلال معرفته الشهوديّة، وبهذا يدرك عظمة الملكوت ويشاهد قدرة اللّٰه الظاهرة، ومن خلالها يدرك أيضاً سلطان اللّٰه الخفيّ، ويتبلور في وجوده الشوق إلى نعم الآخرة من خلال وجود نعم اللّٰه في الدنيا. فلو لم يكن الإمام موجوداً كيف يمكن معرفة اللّٰه؟ وكيف يمكن للإنسان تلمّس حلاوة معرفة الحقّ وإشعار الآخرين بها؟ يقول رسول اللّٰه صلی الله علیه و اله لعليّ علیه السلام:
يا عَلِيُّ! ما عَرَفَ اللّهَ حَقَّ مَعرِفَتِهِ غَيري وَ غَيرُكَ.
ثمّ يخاطب النبي الأكرمُ صلی الله علیه و اله عليّاً علیه السلام في ذيل الرواية قائلاً:
"وما عَرَفَكَ حَقَّ مَعرِفَتِكَ غَيرُ اللّهِ وغَيري".[٢]
إذن، إنّ معرفة اللّٰه ومعرفة الرسول ومعرفة الإمام بحاجة إلى المعرفة الشهوديّة، وهذه
[١] . نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
[٢] . المناقب لابن شهر آشوب، ج٣، ص٢٦٧؛ بحار الأنوار، ج، ٣٩، ص٨٤.