شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٤ - ١٩ وَأَعْلامِ التُّقَى
بِاستِعمالِه، وَ اسْتَفهِمِ اللّهَ يُفْهِمْكَ.[١]
والمراد من العلم في هذا الحديث الشريف، هو العلم الحقيقي الذي يُوصلُ الانسانَ إلی إنسانيّته، وليس المراد منه هو عدم التعلّم والسعي إليه؛ إذ أنّ كثيراً من الروايات تؤكّد على ضرورة طلب العلم وتعلمّه، بل لا بدّ من الإذعان بأنّ الحصول على العلم والمعرفة مقدّمةً للوصول إلى النور الواقعيّ (حقيقة العبوديّة)، وذاك النور لا يمكن تعلّمه:
لم يكن كلّ ما قرأناه إلا علماً في المدرسة وهناك معرفة لا نحصل عليها إلّا في الخمّارة[٢]
إنّ نور العلم يحصل نتيجة التقوی، والإمام علیه السلام يوصي محبّي العلم بالوصول إلی حقيقة العبوديّة في النّفس قبل كلّ شيء، وأن يرتقوا إلى مرتبة العبوديّة الحقيقيّة، وأن يمزجوا العلم بالمعرفة، وأن يستعينوا باللّٰه في الإدراك والفهم والتعمّق، وأمّا من يُعرِض عن ذكر اللّٰه وعن العبوديّة الحقيقيّة، ولم يعمل بما علم واستفهم، أو يطلب العون من غير اللّٰه؛ فإنّه يحرم قطعاً من نور العلم.
وبالرجوع إلى قصّة عنوان البصري، نرى كيف يتفاعل مع الإمام علیه السلام ويطلب منه مزيداً من الشرح حول حقيقة العبوديّة، فيلخّص له الإمام علیه السلام حقيقتها في ثلاثة أشياء:
أنْ لا يَرَى العَبدُ لِنَفسِهِ فيما خَوَّلَهُ اللّهُ مِلْكاً... وَ لا يُدَبِّرُ العَبدُ لِنَفسِهِ تَدبِيراً، وَ جُملَةُ اشتِغالِهِ فيما أمَرَهُ اللّهُ تَعالى بِهِ وَ نَهاهُ عَنهُ.[٣]
ما بيّنه الإمام علیه السلام هو التقوى في الاقتصاد، وعقد الآمال على اللّٰه تعالى، والسعي وبذل الجهد؛ إذ أنّ الإنسان عندما لا يرى نفسَه مالكاً لشيء، يؤْثِرُ على نفسه بسهولة ويعطي الفقراء والمحتاجين ممّا خوّله اللّهُ ويَهونُ عليه الإنفاقُ، ويطرد من قلبه الحرصَ والبخلَ والاستئثار، وإذا عقد آمالَه باللّٰه وتوكّل عليه وسلّم زمامَ اُموره إليه حينئذٍ سيعمل بوظيفته
[١] . مشكاة الأنوار، ص ٥٦٣، ح١٩٠١؛ بحار الأنوار، ج١، ص٢٢٥، ح١٧.
[٢] . أصل البيت بالفارسيّة، وهو:
در مدرسه، هر چند كه خوانديم بسی علم
در ميكده، علمی است كه اموختنی
نيست.
[٣] . مشكاة الأنوار، ص٥٦٣، ح١٩٠١؛ بحار الأنوار، ج١، ص٢٢٥، ح١٧.