شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦٩ - ٥ وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ
ما أعظم هذا الكلام البليغ! فالملَك المقرّب من اللّٰه تعالى يخشى عاقبته أيضاً، فكيف بنا ونحن في غفلة عن ذنوبنا، ونتوقّع الوصول بسلام و يُسر إلى دار العقبى؟ كلّا، ليس الأمر كذلك، والمطلوب هو السعي وبذل الجهد.
فالنبيّ صلی الله علیه و اله إذن هو مظهر الرحيميّة أيضاً؛ لأنّ اللّٰه تعالى قال في حقّه:
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).[١]
ولقد تجلّت الرحمة الإلهيّة في ذات الرسول الأكرم صلی الله علیه و اله، وهذه رسالة مضمونها بثّ العطف والرحمة بين الناس، ليسلكوا الطريق المؤدّي إلى سعادة الدّارين وفي الحديث المشهور المرويّ عن الإمام الصادق علیه السلام:
هَلِ الدّينُ إلاّ الحُبُّ؟[٢]
وهي إشارة جليّة إلى أنّ الإسلام شُيّد على اُسس منها المحبّة والعطف والرأفة.
ولا شكّ أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام ورثوا عن الرسول الأكرم صلی الله علیه و اله جلّ صفاته المباركة، فأشرقَت في قلوبهم الشريفة كلُّ معاني الحبّ والعطف والحنان، فها هو الإمام عليّ علیه السلام قد تردّدت أصداء رحمته وعطاءاته على مدى الزمن، وقد خلّد لنا التاريخ تألُّم عليٍّ علیه السلام بسبب الاعتداء على المرأة المعاهَدة كما يتألّم على المرأة المسلمة دون فرق بينهما، وهو القائل في ذلك:
فَلَو أنَّ امرَءاً مُسلِماً ماتَ مِن بَعدِ هٰذا أسَفاً ما كانَ بِهِ مَلوماً، بَل كَان عِندِي بِهِ جَديراً.[٣]
أليس هذا إلاّ صفة رحمانيّته؟
[١] . التوبة: ١٢٨.
[٢] . الكافي، ج٨، ص٨٠، ح٣٥.
[٣] . المصدر نفسه، ج٥، ص٥، ح٦؛ نهج البلاغة، الخطبة٢٧، وتمام الكلام هو: " لقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والاُخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كلمٌ ولا اُريقَ لهم دمٌ، فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً [المترجم]".