شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٣ - ٢٦ السَّلامُ عَلَى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللّهِ
في الكون، فإذا ما كانت العبادة مبنيّة على هذا النوع من المعرفة، سُمّيَت بـ "العبادة الحقيقیّة".
العرفاء الحقيقيّون
إنّ من اصطفاهم اللّٰه عز و جل من عباده يعرفون اللّٰه كما ينبغي، ويرون الوجودَ كلَّه مظهراً وتجلّياً للباري تعالی، وأنّ العالم بأسرِه هو محضرٌ للّٰه جلّ وعلا، فيكون اللّٰه في رؤيتهم حاضراً وناظراً ورقيباً عليهم دائماً، ويرون أنّ اللّٰه تعالى هو المعشوق الذي يستحقّ الهيام به، وسُكْرُ عشقه يدفعهم إلى طاعته وعبادته، وهذا ما نجده في كلمات العلاّمة الطباطبائيّ رحمه الله:
العبادة سُكرٌ في مذهب العاشقين والعقلاء بعيدون عن مذهب التائهين[١]
إن اللّٰه تعالى غيرُ غائبٍ في نظر المعصوم علیه السلام، بل وكأنّه يشاهده عياناً لشدّة ظهوره له، وفي هذا المعنی يقول الإمام عليّ علیه السلام:
ما كُنتُ أعبُدُ رَبّاً لَم أرَهُ.[٢]
إنّ عين عليٍّ علیه السلام تعاین اللّٰه تعالى أينما نظرت، وروح عليّ علیه السلام متعلّقة باللّٰه تعالى، وقلبه لا يسكنه إلّا اللّٰه ولا مكان فيه لغيره، وهو يری اللّٰه قبل كلّ شيء، وهذا ما جاء في حديثٍ عنه:
مٰا رَأَيتُ شَيئَاً إلّا و رَأَيتُ اللّهَ قَبلَهُ.[٣]
لقد كان نوف البكالي من خواصّ أمير المؤمنين علیه السلام، وكان يسمع مناجاته علیه السلام في الليل، فيروي لنا ذلك في وصف جميل ويقول:
رَأيتُ أميرَ المُؤمِنينَ ـ صَلَواتُ اللّٰه عَلَيهِ ـ مُوَليِّاً مُبادِراً، فَقُلتُ: أين تُريدُ يا مَولايَ؟ فَقالَ: دَعني يا نَوفُ! إنَّ آمالي تُقَدِّمُني فِي المَحبوبِ، فِقُلتُ: يا مَولايَ وما آمالُكَ؟ قالَ: قَد عَلِمَهَا المَأمولُ وَاستَغنيَتُ عَن تَبيينِها لِغَيرِهِ، وكَفىٰ بِالعَبدِ أدَباً ألّا يُشرِكَ في نِعَمِهِ وإربِهِ غَيرَ رَبِّهِ، فَقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ إنّي خائِفٌ عَلىٰ
[١] . أصل هذا البيت بالفارسيّة،
وهو:
پرستش، به مستی است، در كيش مهر
بُرون اند زين جرگه، هشيارها
[٢] . الكافي، ج١، ص٩٨، ح٦.
[٣] . شرح اُصول الكافي للملّا صالح المازندراني، ج٣، ص٨٣.