شرح الزیارة الجامعة الکبیرة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٤ - ٢٦ السَّلامُ عَلَى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللّهِ
نَفسي مِنَ الشَّرَهِ والتَّطَلُّع إلىٰ طَمَعٍ مِن أطماعِ الدُّنيا، [فَقالَ لي: وأينَ أنتَ عَنِ عِصمَةِ الخائِفينَ وكَهفِ العارِفينَ؟ فَقُلتُ: دُلّني عَلَيهِ، قال:
اللّهُ العَليُّ العَظيمُ؛ تَصِلُ أَمَلَكَ بحُسنِ تَفَضُّلِهِ، وتُقبِلُ عَلَيهِ بِهَمِّكَ، وأعرِض عَنِ النّازِلَةِ في قَلبِكَ، فَإِن أجَّلَكَ بِها فَأَنا الضّامِنُ مِن مَورِدِها، وَانقطِعْ إلَى اللّٰه سُبحانَهُ فَإِنَّهُ يَقولُ: وعِزَّتي وجَلالي! لأُقَطِّعَنَّ أمَلَ كُلِّ من يُؤَمِّلُ غَيري بِاليَأسِ، ولَأَكسُوَنَّهُ ثَوبَ المَذَلَّةِ فِي النّاسِ...].
وهكذا تأتي وصايا عليٍّ علیه السلام تترى، ویأتي في آخرها دعاء معبّر وجميل یقول فیه:
فَأسألُكَ بِاسمِكَ الّذي ظَهَرتَ بِهِ لِخاصَّةِ أولِيائِكَ فَوَحَّدوكَ وعَرَفوكَ، فَعَبَدوكَ بِحَقيقَتِكَ، أن تُعَرِّفَني نَفسَكَ لِأُقِرَّ لَكَ بِرُبوبِيَّتِكَ عَلىٰ حَقيقَةِ الإيمانِ بِكَ، ولا تَجعَلني ــ يا إلٰهي ــ مِمَّن يَعبُدُ الاِسمَ دونَ المَعنىٰ، وَالحَظني بِلَحظَةٍ مِن لَحَظاتِكَ تُنَوِّرُ بِها قَلبي بِمَعرِفَتِكَ خاصَّةً، ومَعرِفَةِ أولِيائِكَ، إنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.[١]
إنّ ما علّمه الإمام عليّ علیه السلام لنوف البكالي هي العبادة الحقيقيّة ونفي العبادة الظاهريّة، إذ في المعرفة الظاهريّة يردّد المرء ذكرَ "يا اللّٰه" وغيره فحسب، ولكنْ في مقام معرفة اللّٰه الحقيقيّة يتجلّى معنى ومفهوم "يا اللّٰه" في الذاكر، ويؤثّر في كيانه وحالاته.
أثر العبادة الحقيقيّة
روى أحدُ الأصدقاء ــ رحمه اللّٰه ــ للمؤلّف قائلاً: كنت في الروضة المطهّرة للسيّد عبد العظيم الحسني علیه السلام وكنت أقرأ دعاء كميل بتوجّه وإقبال، إذ جاءني شخصٌ قرويٌ فقال لي: "ارفع صوتك قليلاً حتّى أتابع القراءة معك"، فحزنت في نفسي لأنّه قطع عليّ توجّهي، ومع ذلك قبلت الطلب ورفعتُ صوتي إلى أن انتهيت من الدعاء وذهب الرجل، وفجأةً انتابتني حالة خاصّة، وشعرتُ بتجلّي اللّٰه عز و جل في قلبي، وأيقنت أن ما حصل لي لو أنّه حصل لكافرٍ لأسلمَ وآمن، حينها علمت أنّ دعائي بناءً على رغبة ذلك القرويّ كان دعاءً خالصاً للّٰه تعالى، وأثرُ هذا النوع من الدعاء هو تجلّي اللّٰه سبحانه في قلب عبده.
[١] . بحار الأنوار، ج٩٤، ص٩٦، ح١٢؛ موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام، ج٥، ص٣٢٠، ح٤٣٨٥.