تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٢١٤ - فصل في أصالة البراءة
العفو فيه إنّما هو بعد العمل.
وأمّا العفو عن النيّة فإنّما هو فيما إذا لم يتلبّس بالفعل وذلك غير قابل للتمييز ابتداءً حيث إنّ له العزم على المعصية، فلا يتحقّق زمان ينوي المعصية مع الأمن من العقاب. مع أنّ أخبار العفو عن النيّة ـ حتّى إذا كان متواتراً موجباً للقطع بالصدور ـ لا يصير مؤمناً عن العقاب، فإنّه لو انكشف عدم إصابته للواقع ـ أي انكشف عدم العفو واقعاً ـ إمّا لعدم صدور الخبر، أو لإرادة خلاف الظاهر منه لا قبح في العقاب عليها، إذ لم يكن حدوث النيّة مستنداً إلى ذلك الوعد حتّى يلزم الوفاء به كما إذا دعاك رجل وتيقّنت أنّه للإكرام وكان للتعذيب واقعاً!
وأمّا العفو عن الصغائر فمتوقّف على الاجتناب عن الكبائر وهو غير معلوم تعدادها بل كلّ معصية يحتمل أن يكون من الكبائر ولم يعنيها الآية الشريفة والأخبار مختلف في تعدادها. والاتّكال على الملاك وأنّ كلّ ما أوعد عليه النار فهو كبيرة أيضاً لم يعلم أنّ المراد ما أوعد عليه النار في الكتاب فقط أو الأعمّ من الكتاب والسنّة. مع أنّ ما دلّ الأخبار على كونه من الصغائر فإنّما يترتّب عليه آثاره العملي من صحّة الاقتداء بمرتكبها مثلاً، وأمّا العقاب أو العفو فليس من آثاره العملي فلا حجّية في الأخبار الدالّة على ذلك. مع أنّ المرتكب لا يطمئنّ بترك الكبيرة ما دام العمر حتّى يوجب التجرّي على الصغائر. مع أنّ الإصرار على الصغيرة أيضاً من الكبائر. بل عدم التوبة من الصغيرة أيضاً معصية والإصرار عليه كبيرة.
وبالجمله، فلا يوجب الوعد في تلك الموارد المستشهد بها تجرّياً للعبد على المعصية.