تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٢١١ - فصل في أصالة البراءة
ودعوى انسلاخه في أفعال الله يستلزم أن يكون الله تعالى عاجزاً عن الفرق بين أفعاله المتحقّقة وغيرها في البيان وهو كما ترى.
نعم يصحّ دعوى ظهور أمثال هذه الجملة في عدم كون الفعل لائقاً بشأنه تعالى كما في قوله تعالى: )وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ(،[١] )ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنينَ(،[٢] )وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فيهِمْ(،[٣] )ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً...([٤] إلى غير ذلك فلا يختصّ حينئذٍ بالعذاب الدنيوي.
وثالثاً: أنّ العذاب الاُخروي لا يختصّ بيوم القيامة حتّى يكون مستقبلاً دائماً بل منها عذاب القبر والبرزخ وأمثالهما وهي من مصاديق الماضي.
ورابعاً: أنّ اختصاصها بالعذاب الدنيوي لا يناسب صدر نفس الآية وذيلها وقبلها وبعدها وهو قوله تعالى: )وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ^ اقْرَأ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسيباً ^ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّما يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ^ وَإِذا أَرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْميراً ^ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبيراً بَصيراً(.[٥]
وأنت ترى أنّ مجموع الآيات حاوية على الأجر الدنيوي والاُخروي معاً.
[١]. التوبة (٩): ١١٥.
[٢]. آل عمران (٣): ١٧٩.
[٣]. الأنفال (٨): ٣٣.
[٤]. الكهف (١٨): ٥١.
[٥]. الإسراء (١٧): ١٣ ـ ١٧.