تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٤٢٤ - وأمّا جريان البراءة نقلاً
ليست قاعدة عقلية، وإنّما هي تابعة لسيرة العقلاء[١] وقد بيّنّاه في محلّه، والسيرة على إجراء البراءة وعدم الاعتناء بالاحتمال جارية في الأقلّ والأكثر أيضاً من دون اعتنائهم بالشكّ في حصول الغرض، فإنّه لا ترديد في أنّ للمولى غرض في الأمر ومع ذلك لا يعتنون بهذه الحيثية ويجرون البراءة في الأكثر، بل يمكن أن يقال بجريان البراءة في الشكّ في المحصّل أيضاً لو كان من الاُمور التي بيانها بيد المولى، فإنّه حينئذٍ عليه أن يبيّنه لو كان دخيلاً في غرضه، فتدبّر.
هذا كلّه على القول بالبراءة العقلية في الأحكام الشرعية، وقد ذكرنا أنّ ذلك وإن كان هكذا بين العقلاء فيما يمكن لهم البيان ويكون سيرتهم على البيان، وأمّا في الأحكام الشرعية التي لا يمكن للشارع إيصاله إلينا فعلاً وبيانه لنا، بل يحتمل أنّه بيّنه ولم يصل إلينا فلا محلّ للبراءة العقلية مطلقاً حتّى في الشبهة البدوية، بل لابدّ من الاتّكال على الأصل الشرعي فقط.
وأمّا جريان البراءة نقلاً
وهو مقتضى الأصل النقلي الشرعي، فقد استدلّ الشيخ بأخبار البراءة كقولهu: «ما حجب الله...» و«رفع ما لا يعلمون» إمّا لأنّ وجوب الجزء المشكوك مجهول، وإمّا لأنّ وجوب الأكثر ممّا حجب علمه فهو موضوع عنهم ومرفوع، ولا يعارض بأنّ وجوب الأقلّ كذلك؛ لأنّ العلم بوجوبه المردّد بين النفسي والغيري غير محجوب.
[١]. قد مرّ أنّ الإشكال ينحصر بالعبادات ولا سيرة للعقلاء في العبادات. [منه غفرالله له]