البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٨ - أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار
و فيها قصدت الأتراك بلاد ما وراء النهر في جحافل عظيمة، فبيتهم المسلمون فقتلوا منهم خلقا كثيرا و سبوا منهم ما لا يحصون (وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً). و فيها بعث ملك الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف، فغاروا على أطراف البلاد و قتلوا خلقا و سبوا نساء و ذرية. و فيها دخل نائب طرسوس بلاد الروم ففتح مدينة انطاكية- و هي مدينة عظيمة على ساحل البحر تعادل عندهم القسطنطينية- و خلص من أسارى المسلمين خمسة آلاف أسير، و أخذ للروم ستين مركبا و غنم شيئا كثيرا، فبلغ نصيب كل واحد من الغزاة ألف دينار. و حج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي.
و فيها توفى من الأعيان.
أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار
أبو العباس الشيباني مولاهم، الملقب بثعلب إمام الكوفيين في النحو و اللغة، مولده في سنة مائتين، سمع محمد بن زياد الأعرابي و الزبير بن بكار و القواريري و غيرهم، و عنه ابن الأنباري و ابن عرفة و أبو عمر و الزاهد، و كان ثقة حجة دينا صالحا مشهورا بالصدق و الحفظ، و ذكر أنه سمع من القواريري مائة ألف حديث. توفى يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى منها، عن إحدى و تسعين سنة. قال ابن خلكان: و كان سبب موته أنه خرج من الجامع و في يده كتاب ينظر فيه و كان قد أصابه صمم شديد فصدمته فرس فألقته في هوة فاضطرب دماغه فمات في اليوم الثاني (رحمه اللَّه) و هو مصنف كتاب الفصيح، و هو صغير الحجم كثير الفائدة، و له كتاب المصون، و اختلاف النحويين و معاني القرآن و كتاب القراءات و معاني الشعر و ما يلحن فيه العامة و غير ذلك. و قد نسب إليه من الشعر قوله.
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها* * * فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
سيبقى بقاء النبت في الماء أو كما* * * أقام لدى ديمومة الماء صوتها
أغرك أنى قد تصبرت جاهدا* * * و في النفس منى منك ما سيميتها
فلو كان ما بى بالصخور لهدّها* * * و بالريح ما هبت و طال حفوفها
فصبرا لعل اللَّه يجمع بيننا* * * فأشكو هموما منك فيك لقيتها
و فيها توفى القاسم بن عبيد اللَّه بن سليمان بن وهب الوزير، تولى بعد أبيه الوزارة في آخر أيام المعتضد، ثم تولى لولده المكتفي، فلما كان رمضان من هذه السنة مرض فبعث إلى السجون فأطلق من فيها من المطلبيين، ثم توفى في ذي القعدة منها، و قد قارب ثلاثا و ثلاثين سنة، و قد كان حظيا عند الخليفة، و خلف من الأموال ما يعدل سبعمائة ألف دينار.
و محمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد أبو عبد اللَّه البصري القاضي بواسط، المعروف بالجبروعى،