البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٧ - أحمد بن المبارك أبو عمرو المستملي
و السيول و زيادة الأنهار، و أجمعوا على هذا الأمر فأخذ الناس كهوفا في الجبال خوفا من ذلك، فأكذب اللَّه تعالى المنجمين في قولهم فلم يكن عام أقل مطرا منه، و قلّت العيون جدا و قحط الناس في كل بقعة حتى استسقى الناس ببغداد و غيرها من البلاد مرارا كثيرة. قال: و فيها كان يتبدى في دار الخلافة شخص بيده سيف مسلول في الليل فإذا أرادوا أخذه انهزم فدخل في بعض الأماكن و الزروع و الأشجار و العطفات التي بدار الخلافة فلا يطلع له على خبر، فقلق من ذلك المعتضد قلقا شديدا و أمر بتجديد سور دار الخلافة و الاحتفاظ به، و أمر الحرس من كل جانب بشدة الاحتراس فلم يفد ذلك شيئا، ثم استدعى بالمغرمين و من يعاني علم السحر و أمر المنجمين فعزّموا و اجتهدوا فلم يفد ذلك شيئا فأعياهم أمره، فلما كان بعد مدة اطلع على جلية الأمر و حقيقة الخبر فوجده خادما خصيا من الخدام كان يتعشق بعض الجواري من حظايا المعتضد التي لا يصل إليها مثله و لا النظر إليها من بعيد، فاتخذ لحا مختلفة الألوان يلبس كل ليلة واحدة، و اتخذ لباسا مزعجا فكان يلبس ذلك و يتبدى في الليل في شكل مزعج فيفزع الجواري و ينزعجن و كذلك الخدم فيثورون إليه من كل جانب فإذا قصدوه دخل في بعض العطفات ثم يلقى ما عليه أو يجعله في كمه أو في مكان قد أعده لذلك. ثم يظهر أنه من جملة الخدم المتطلبين لكشف هذا الأمر، و يسأل هذا و هذا ما الخبر؟ و السيف في يده صفة من يرى أنه قد رهب من هذا الأمر، و إذا اجتمع الحظايا تمكن من النظر إلى تلك المعشوقة و لاحظها و أشار إليها بما يريده منها و أشارت إليه، فلم يزل هذا دأبه إلى زمن المقتدر فبعثه في سرية إلى طرسوس فنمت عليه تلك الجارية و انكشف أمره و حاله و أهلكه اللَّه.
و فيها اضطرب الجيش المصري على هارون بن خمارويه فأقاموا له بعض أمراء أبيه يدير الأمور و يصلح الأحوال، و هو أبو جعفر بن أبان، فبعث إلى دمشق- و كانت قد منعت البيعة تسعة أشهر بعد أبيه، و اضطربت أحوالها- فبعث إليهم جيشا كثيفا مع بدر الحمامي و الحسن بن أحمد الماذرائي فأصلحا أمرها و استعملا على نيابتها طفح بن خف و رجعا إلى الديار المصرية و الأمور مختلفة جدا.
و فيها توفى من الأعيان.
أحمد بن المبارك أبو عمرو المستملي
الزاهد النيسابورىّ يلقب بحكمويه العابد، سمع قتيبة و أحمد و إسحاق و غيرهم، و استملى على المشايخ ستا و خمسين سنة، و كان فقيرا رث الهيئة زاهدا، دخل يوما على أبى عثمان سعيد بن إسماعيل و هو في مجلس التذكير، فبكى أبو عثمان و قال للناس: إنما أبكانى رثاثة ثياب رجل كبير من أهل العلم أنا أجله عن أن أسميه في هذا المجلس، فجعل الناس يلقون الخواتم و الثياب و الدراهم حتى اجتمع من ذلك شيء كثير بين يدي الشيخ أبى عثمان، فنهض عند ذلك أبو عمرو المستملي فقال: