البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٨ - ذكر بناء دار الخلافة من بغداد في هذا الوقت
تحت قدمي ما أقررت به، فأمر به فشد على عمود ثم لوّحه على النار حتى تساقط جلده، ثم أمر بضرب عنقه و صلبه لسبع خلون من المحرم. و في أول صفر ركب المعتضد من بغداد قاصدا بنى شيبان من أرض الموصل فأوقع بهم بأسا شديدا عند جبل يقال له نوباذ. و كان مع المعتضد حاد جيد الحداء، فقال في تلك الليالي يحدو للمعتضد.
فأجهشت للنوباذ حين رأيته* * * و هللت للرحمن حين رآني
و قلت له أين الذين عهدتهم* * * بظلك في أمن و لين زماني
فقال مضوا و استخلفونى مكانهم* * * و من ذا الّذي يبقى على الحدثان
و فيها أمر المعتضد بتسهيل عقبة حلوان فغرم عليها عشرين ألف دينار، و كان الناس يلقون منها شدة عظيمة. و فيها أمر بتوسيع جامع المنصور بإضافة دار المنصور إليه، و غرم عليه عشرين ألف دينار، و كانت الدار قبلته فبناها مسجدا على حدة و فتح بينهما سبعة عشر بابا و حول المنبر و المحراب إلى المسجد ليكون في قبلة الجامع على عادته. قال الخطيب: و زاد بدر مولى المعتضد السقفان من قصر المنصور المعروفة بالبدرية.
ذكر بناء دار الخلافة من بغداد في هذا الوقت
أول من بناها المعتضد في هذه السنة، و هو أول من سكنها من الخلفاء إلى آخر دولتهم، و كانت أولا دارا للحسن بن سهل تعرف بالقصر الحسنى، ثم صارت بعد ذلك لابنته بوران زوجة المأمون، فعمرتها حتى استنزلها المعتضد عنها فأجابته إلى ذلك، ثم أصلحت ما و هي منها و رممت ما كان قد تشعث فيها، و فرشتها بأنواع الفرش في كل موضع منها ما يليق به من المفارش، و أسكنته ما يليق به من الجواري و الخدم، و أعدت بها المآكل الشهية و ما يحسن ادخاره في ذلك الزمان، ثم أرسلت مفاتيحها إلى المعتضد، فلما دخلها هاله ما رأى من الخيرات، ثم وسعها و زاد فيها و جعل لها سورا حولها، و كانت قدر مدينة شيراز، و بنى الميدان ثم بنى فيها قصرا مشرفا على دجلة، ثم بنى فيها المكتفي التاج، فلما كان أيام المقتدر زاد فيها زيادات أخر كبارا كثيرة جدا، ثم بعد هذا كله خربت حتى كأن لم يكن موضعها عمارة، و تأخرت آثارها إلى أيام التتار الذين خربوها و خربوا بغداد و سبوا من كان بها من الحرائر كما سيأتي بيانه في موضعه من سنة ست و خمسين و ستمائة.
قال الخطيب: و الّذي يشبه أن بوران وهبت دارها للمعتمد لا للمعتضد، فإنها لم تعش إلى أيامه، و قد تقدمت وفاتها.
و فيها زلزلت أردبيل ست مرات فتهدمت دورها و لم يبق منها مائة دار، و مات تحت الردم مائة ألف و خمسون ألفا [ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و فيها غارت المياه ببلاد الري و طبرستان حتى بيع