البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٧ - ثم دخلت سنة ثمانين و مائتين من الهجرة النبويّة
سائر الآفاق، و جهالة ابن حزم لأبى عيسى الترمذي لا تضره حيث قال في محلاه: و من محمد بن عيسى ابن سورة؟ فان جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت منزلة ابن حزم عند الحفاظ:
و كيف يصح في الأذهان شيء* * * إذا احتاج النهار إلى دليل
و قد ذكرنا مشايخ الترمذي في التكميل. و روى عنه غير واحد من العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح، و الهيثم بن كليب الشاشي صاحب المسند، و محمد بن محبوب المحبوبي، راوي الجامع عنه. و محمد بن المنذر بن شكر. قال أبو يعلى الخليل بن عبد اللَّه الخليلي القزويني في كتابه علوم الحديث: محمد بن عيسى بن سورة بن شداد الحافظ متفق عليه، له كتاب في السنن و كتاب في الجرح و التعديل، روى عنه أبو محبوب و الأجلاء، و هو مشهور بالأمانة و الإمامة و العلم. مات بعد الثمانين و مائتين. كذا قال في تاريخ وفاته. و قد قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن سليمان الغنجار في تاريخ بخارى: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ، دخل بخارى و حدث بها، و هو صاحب الجامع و التاريخ، توفى بالترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع و سبعين و مائتين. ذكره الحافظ أبو حاتم بن حيان في الثقات، فقال: كان ممن جمع و صنف و حفظ و ذاكر.
قال الترمذي: كتب عنى البخاري حديث عطية عن أبى سعيد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعلى: «لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري و غيرك».
و روى ابن يقظة في تقييده عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح و عرضته على علماء الحجاز فرضوا به، و عرضته على علماء العراق فرضوا به، و عرضته على علماء خراسان فرضوا به، و من كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي ينطق. و في رواية يتكلم. قالوا و جملة الجامع مائة و إحدى و خمسون كتابا، و كتاب العلل صنفه بسمرقند، و كان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين و مائتين. قال ابن عطية: سمعت محمد بن طاهر المقدسي سمعت أبا إسماعيل عبد اللَّه بن محمد الأنصاري يقول: كتاب الترمذي عندي أنور من كتاب البخاري و مسلم. قلت: و لم؟ قال لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من هو من أهل المعرفة التامة بهذا الفن، و كتاب الترمذي قد شرح أحاديثه و بينها، فيصل إليها كل أحد من الناس من الفقهاء و المحدثين و غيرهم. قلت: و الّذي يظهر من حال الترمذي أنه إنما طرأ عليه العمى بعد أن رحل و سمع و كتب و ذاكر و ناظر و صنف، ثم اتفق موته في بلده في رجب منها على الصحيح المشهور و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمانين و مائتين من الهجرة النبويّة
في المحرم منها قتل المعتضد رجلا من أمراء الزنج كان قد لجأ إليه بالأمان و يعرف بسلمة، ذكر له أنه يدعو إلى رجل لا يعرف من هو، و قد أفسد جماعة، فاستدعى به فقرره فلم يقر، و قال: لو كان