البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - ثم دخلت سنة تسع و سبعين و مائتين
و لما توفى اجتمع الأمراء على أخذ البيعة من بعده إلى ولده أبى العباس أحمد، فبايع له المعتمد بولاية العهد من بعد أبيه، و خطب له على المنابر. و جعل إليه ما كان لأبيه من الولاية و العزل و القطع و الوصل، و لقب المعتضد باللَّه.
و فيها توفى إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي. قال ابن الأثير: كان كثير الحديث و الصلاح.
و إسحاق بن كنداج نائب الجزيرة، كان من ذوى الرأى، و قام بما كان إليه ولده محمد. و يا زمان نائب طرسوس جاءه حجر منجنيق من بلدة كان محاصرها ببلاد الروم فمات منه في رجب من هذه السنة و دفن بطرسوس، فولى نيابة الثغر بعده أحمد الجعيفى بأمر خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم عزله عن قريب بابن عمه موسى بن طولون. و فيها توفى عبده بن عبد الرحيم قبحه اللَّه. ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات و المسلمون محاصرو بلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن فهويها فراسلها ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت أن تتنصر و تصعد إلى، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا و هو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غما شديدا، و شق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه و هو مع تلك المرأة في ذلك الحصن فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟
ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أنى أنسيت القرآن كله إلا قوله (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) و قد صار لي فيهم مال و ولد
ثم دخلت سنة تسع و سبعين و مائتين
في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوض من المعهد و استقل بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس المعتضد بن الموفق، و خطب له بذلك على رءوس الأشهاد، و في ذلك يقول يحيى بن على يهنى المعتضد.
ليهنيك عقد أنت فيه المقدم* * * حباك به رب بفضلك أعلم
فان كنت قد أصبحت و الى عهدنا* * * فأنت غدا فينا الامام المعظم
و لا زال من والاك فيه مبلغا* * * مناه و من عاداك يخزي و يندم
و كان عمود الدين فيه تعوج* * * فعاد بهذا العهد و هو مقوم
و أصبح وجه الملك جذلان ضاحكا* * * يضيء لنا منه الّذي كان مظلم
فدونك شدد عقد ما قد حويته* * * فإنك دون الناس فيه المحكّم
و فيها نودي ببغداد أن لا يمكن أحد من القصاص و الطرقية و المنجمين و من أشبههم من الجلوس في المساجد و لا في الطرقات، و أن لا تباع كتب الكلام و الفلسفة و الجدل بين الناس، و ذلك بهمة