البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٣ - و هذه ترجمة أبى أحمد الموفق
نفسه عنه إذا تصوره، و هو مما فتحه إبليس عليهم من أنواع الكفر و أنواع الجهالات، و ربما أفاد إبليس بعضهم أشياء لم يكن يعرفها كما قال بعض الشعراء:
و كنت امرأ من جند إبليس برهة* * * من الدهر حتى صار إبليس من جندي
و المقصود أن هذه الطائفة تحركت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم و تفاقم الحال بهم كما سنذكره، حتى آل بهم الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام فسفكوا دم الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة و كسروا الحجر الأسود و اقتلعوه من موضعه، و ذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة و ثلاثمائة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة، فمكث غائبا عن موضعه من البيت ثنتين و عشرين سنة ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و كل ذلك من ضعف الخليفة و تلاعب الترك بمنصب الخلافة و استيلائهم على البلاد و تشتت الأمر.
و قد اتفق في هذه السنة شيئان أحدهما ظهور هؤلاء، و الثاني موت حسام الإسلام و ناصر دين اللَّه أبو أحمد الموفق (رحمه اللَّه)، لكن اللَّه أبقى للمسلمين بعده ولده أبا العباس أحمد الملقب بالمعتضد، و كان شهما شجاعا
و هذه ترجمة أبى أحمد الموفق
هو الأمير الناصر لدين اللَّه، و يقال له الموفق، و يقال له طلحة بن المتوكل على اللَّه جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، كان مولده في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع و عشرين و مائتين، و كان أخوه المعتمد حين صارت الخلافة إليه قد عهد إليه بالولاية بعد أخيه جعفر، و لقبه الموفق باللَّه، ثم لما قتل صاحب الزنج و كسر جيشه تلقب بناصر دين اللَّه، و صار إليه العقد و الحل و الولاية و العزل، و إليه يجبى الخراج، و كان يخطب له على المنابر، فيقال: اللَّهمّ أصلح الأمير الناصر لدين اللَّه أبا أحمد الموفق باللَّه ولى عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين. ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر، و كان غزير العقل حسن التدبير يجلس للمظالم و عنده القضاة فينصف المظلوم من الظالم و كان عالما بالأدب و النسب و الفقه و سياسة الملك و غير ذلك، و له محاسن و مآثر كثيرة جدا و كان سبب موته أنه أصابه مرض النقرس في السفر فقدم إلى بغداد و هو عليل منه فاستقر في داره في أوائل صفر و قد تزايد به المرض و تورمت رجله حتى عظمت جدا، و كان يوضع له الأشياء المبردة كالثلج و نحوه، و كان يحمل على سريره، يحمله أربعون رجلا بالنوبة، كل نوبة عشرون. فقال لهم ذات يوم: ما أظنكم إلا قد مللتم منى فيا ليتني كواحد منكم آكل كما تأكلون، و أشرب كما تشربون، و أرقد كما ترقدون في عافية. و قال أيضا: في ديواني مائة ألف مرتزق ليس فيهم أحد أسوأ حالا منى.
ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلة الخميس لثمان بقين من صفر. قال ابن الجوزي: و له سبع و أربعون سنة تنقص شهرا و أياما.