البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٠ - و أما عريب المأمونية
و روى ابن عساكر عنه قال: كنت أكتب في الليل على ضوء السراج في زمن الرحلة فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شيء على بصرى فلم أبصر معه السراج، فجعلت أبكى على ما فاننى من ذهاب بصرى، و ما يفوتني بسبب ذلك من كتابة الحديث، و ما أنا فيه من الغربة، ثم غلبتني عيني فنمت فرأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: مالك؟ فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة، و ما فاتنى من كتابة السنة.
فقال: «أدن منى، فدنوت منه فجعل يده على عيني و جعل كأنه يقرأ شيئا من القرآن». ثم استيقظت فأبصرت و جلست أسبح اللَّه. و قد أثنى عليه أبو زرعة الدمشقيّ و الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابورىّ، و قال: هو إمام أهل الحديث بفارس، و قدم نيسابور و سمع منه مشايخنا و قد نسبه بعضهم إلى التشيع.
و ذكر ابن عساكر أن يعقوب بن الليث صاحب فارس بلغه عنه أنه يتكلم في عثمان بن عفان فأمر بإحضاره فقال له وزيره: أيها الأمير إنه لا يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزى، إنما يتكلم في عثمان بن عفان الصحابي، فقال: دعوه ما لي و للصحابى، إني إنما حسبته يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزى.
قلت: و ما أظن هذا صحيحا عن يعقوب بن سفيان فإنه إمام محدث كبير القدر، و قد كانت وفاته قبل أبى حاتم بشهر في رجب منها بالبصرة (رحمه اللَّه). و قد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لى و أمرنى أن أملى الحديث في السماء كما كنت أمليه في الأرض، فجلست للاملاء في السماء الرابعة، و جلس حولي جماعة من الملائكة منهم جبريل يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام الذهب.
و أما عريب المأمونية
فقد ترجمها ابن عساكر في تاريخه و حكى عن بعضهم أنها ابنة جعفر البرمكي، سرقت و هي صغيرة عند ذهاب دولة البرامكة، و بيعت فاشتراها المأمون بن الرشيد، ثم روى عن حماد بن إسحاق عن أبيه أنه قال: ما رأيت قط امرأة أحسن وجها منها، و لا أكثر أدبا و لا أحسن غناء و ضربا و شعرا و لعبا بالشطرنج و النرد منها، و ما تشاء أن تجد خصلة ظريفة بارعة في امرأة إلا وجدتها فيها. و قد كانت شاعرة مطيقة بليغة فصيحة، و كان المأمون يتعشقها ثم أحبها بعده المعتصم، و كانت هي تعشق رجلا يقال له محمد بن حماد، و ربما أدخلته إليها في دار الخلافة قبحها اللَّه على ما ذكره ابن عساكر عنها، ثم عشقت صالحا المنذري و تزوجته سرا، و كانت تقول فيه الشعر، و ربما ذكرته في شعرها بين يدي المتوكل و هو لا يشعر فيمن هو، فتضحك جواريه من ذلك فيقول: يا سحاقات هذا خير من عملكن. و قد أورد ابن عساكر شيئا كثيرا من شعرها، فمن ذلك قولها لما دخلت على المتوكل تعوده من حمى أصابته فقالت:-
أتونى فقالوا بالخليفة علة* * * فقلت و نار الشوق توقد في صدري