البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٥ - و أبو داود السجستاني
و سمع الكثير عن مشايخ البلدان في الشام و مصر و الجزيرة و العراق و خراسان و غير ذلك، و له السنن المشهورة المتداولة بين العلماء، التي قال فيها أبو حامد الغزالي: يكفى المجتهد معرفتها من الأحاديث النبويّة. حدث عنه جماعة منهم ابنه أبو بكر عبد اللَّه و أبو عبد الرحمن النسائي و أحمد بن سليمان النجار، و هو آخر من روى عنه في الدنيا. سكن أبو داود البصرة و قدم بغداد غير مرة و حدث بكتاب السنن بها، و يقال إنه صنفه بها و عرضه على الامام أحمد فاستجاده و استحسنه و قال الخطيب:
حدثني أبو بكر محمد بن على ابن إبراهيم القاري الدينَوَريّ من لفظه، قال سمعت أبا الحسين محمد بن عبد اللَّه بن الحسن القرصي قال سمعت أبا بكر بن داسه يقول سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف حديث و ثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح و ما يشبه و يقاربه، و يكفى الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث،
قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات».
الثاني
قوله «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
الثالث
قوله «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه»
الرابع
قوله:
«الحلال بين و الحرام بين و بين ذلك أمور مشتبهات».
و حدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي أن أبا بكر الخلال قال: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الإمام المقدم في زمانه رجل لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم و بصره بمواضعها أحد من أهل زمانه، رجل ورع مقدم قد سمع منه أحمد بن حنبل حديثا واحدا كان أبو داود يذكره، و كان أبو بكر الأصبهاني و أبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره و يذكر انه بما لا يذكران أحدا في زمانه بمثله.
قلت: الحديث الّذي كتبه عنه و سمعه منه الامام أحمد بن حنبل هو ما
رواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة عن أبى معشر الدارميّ عن أبيه «أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سئل عن العتيرة فحسنها».
و قال إبراهيم الحربي و غيره: ألين لأبى داود الحديث كما ألين لداود الحديد. و قال غيره: كان أحد حفاظ الإسلام للحديث و علله و سنده. و كان في أعلا درجة النسك و العفاف و الصلاح و الورع من فرسان الحديث. و قال غيره: كان ابن مسعود يشبه بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) في هديه و دله و سمته، و كان علقمة يشبهه، و كان إبراهيم يشبه علقمة، و كان منصور يشبه إبراهيم، و كان سفيان يشبه منصور، و كان وكيع يشبه سفيان، و كان أحمد يشبه وكيعا، و كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل. و قال محمد ابن بكر بن عبد الرزاق: كان لأبى داود كم واسع و كم ضيق فقيل له: ما هذا يرحمك اللَّه؟ فقال:
هذا الواسع للكتب و الآخر لا يحتاج إليه.
و قد كان مولد أبى داود في سنة ثنتين و مائتين، و توفى بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس و سبعين و مائتين عن ثلاث و سبعين سنة، و دفن إلى جانب قبر سفيان الثوري.