البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٤ - ثم دخلت سنة سبعين و مائتين من الهجرة
و هي المختارة و احتاز ما كان بها من الأموال و قتل من كان بها من الرجال، و سبى من وجد فيها من النساء و الأطفال، و هرب صاحب الزنج عن حومة الحرب و الجلاد، و سار إلى بعض البلاد طريدا شريدا بشر حال، عاد الموفق إلى مدينته الموفقية مؤيدا منصورا، و قدم عليه لؤلؤة غلام أحمد بن طولون منابذا لسيده سميعا مطيعا للموفق، و كان وروده عليه في ثالث المحرم من هذه السنة، فأكرمه و عظمه و أعطاه و خلع عليه و أحسن إليه، و بعثه طليعة بين يديه لقتال صاحب الزنج، و ركب الموفق في الجيوش الكثيفة الهائلة وراءه فقصدوا الخبيث و قد تحصن ببلدة أخرى، فلم يزل به محاصرا له حتى أخرجه منها ذليلا، و استحوذ على ما كان بها من الأموال و المغانم، ثم بعث السرايا و الجيوش وراء حاجب الزنج فأسروا عامة من كان معه من خاصته و جماعته، منهم سليمان بن جامع فاستبشر الناس بأسره و كبروا اللَّه و حمدوه فرحا بالنصر و الفتح، و حمل الموفق بمن معه حملة واحدة على أصحاب الخبيث فاستحر فيهم القتل، و ما انجبلت الحرب حتى جاء البشير بقتل صاحب الزنج في المعركة، و أتى برأسه مع غلام لؤلؤة الطولونى، فلما تحقق الموفق أنه رأسه بعد شهادة الأمراء الذين كانوا معه من أصحابه بذلك خرّ ساجدا للَّه، ثم انكفأ راجعا إلى الموفقية و رأس الخبيث يحمل بين يديه، و سليمان معه أسير، فدخل البلد و هو كذلك، و كان يوما مشهودا و فرح المسلمون بذلك في المغارب و المشارق، ثم جيء بانكلانى ولد صاحب الزنج و أبان بن على المهلبي مسعر حربهم مأسورين و معهما قريب من خمسة آلاف أسير، فتم السرور و هرب قرطاس الّذي رمى الموفق بصدره بذلك السهم إلى رامهرمز فأخذ و بعث به إلى الموفق فقتله أبو العباس أحمد بن الموفق. و استتاب من بقي من أصحاب صاحب الزنج و أمنهم الموفق و نادى في الناس بالأمان، و أن يرجع كل من كان أخرج من دياره بسبب الزنج إلى أوطانهم و بلدانهم، ثم سار إلى بغداد و قدم ولده أبا العباس بين يديه و معه رأس الخبيث يحمل ليراه الناس فدخلها لثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة و كان يوما مشهودا، و انتهت أيام صاحب الزنج المدعى الكذاب قبحه اللَّه و قد كان ظهوره في يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمس و خمسين و مائتين، و كان هلاكه يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين و مائتين. و كانت دولته أربع عشرة سنة و أربعة أشهر و ستة أيام و للَّه الحمد و المنة. و قد قيل في انقضاء دولة الزنج و ما كان من النصر عليهم أشعار كثيرة، من ذلك قول يحيى بن محمد الأسلمي:
أقول و قد جاء البشير بوقعة* * * أعزّت من الإسلام ما كان واهيا
جزى اللَّه خير الناس للناس بعد ما* * * أبيح حماهم خير ما كان جازيا
تفرد إذ لم ينصر اللَّه ناصر* * * بتجديد دين كان أصبح باليا