البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٦ - ذكر الطعن من أئمة بغداد و علمائهم و غيرهم من البلاد في نسب الفاطميين و أنهم أدعياء كذبة
على بن أبى طالب توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبة، و قد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعا في الحرمين، و في أول أمرهم بالمغرب منتشرا انتشارا يمنع أن يدلس أمرهم على أحد، أو يذهب و هم إلى تصديقهم فيما ادعوه، و أن هذا الحاكم بمصر هو و سلفه كفار فساق فجار، ملحدون زنادقة، معطلون، و للإسلام جاحدون، و لمذهب المجوسية و الثنوية معتقدون، قد عطلوا الحدود و أباحوا الفروج، و أحلوا الخمر و سفكوا الدماء، و سبّوا الأنبياء، و لعنوا السلف، و ادعوا الربوبية. و كتب في سنة اثنتين و أربعمائة، و قد كتب خطه في المحضر خلق كثير، فمن العلويين: المرتضى و الرضى و ابن الأزرق الموسوي، و أبو طاهر بن أبى الطيب، و محمد بن محمد بن عمرو بن أبى يعلى. و من القضاة أبو محمد بن الأكفاني و أبو القاسم الجزري، و أبو العباس بن الشيورى. و من الفقهاء أبو حامد الأسفراييني و أبو محمد بن الكسفلى، و أبو الحسن القدوري، و أبو عبد اللَّه الصيمري، و أبو عبد اللَّه البيضاوي، و أبو على بن حمكان. و من الشهود أبو القاسم التنوخي في كثير منهم، و كتب فيه خلق كثير. هذه عبارة أبى الفرج ابن الجوزي.
قلت: و مما يدل على أن هؤلاء أدعياء كذبة، كما ذكر هؤلاء السادة العلماء و الأئمة الفضلاء، و أنهم لا نسب لهم إلى على بن أبى طالب، و لا إلى فاطمة كما يزعمون، قول ابن عمر للحسين بن على حين أراد الذهاب إلى العراق، و ذلك حين كتب عوام أهل الكوفة بالبيعة إليه فقال له ابن عمر:
لا تذهب إليهم فانى أخاف عليك أن تقتل، و إن جدك قد خير بين الدنيا و الآخرة فاختار الآخرة على الدنيا، و أنت بضعة منه، و إنه و اللَّه لا تنالها لا أنت و لا أحد من خلفك و لا من أهل بيتك.
فهذا الكلام الحسن الصحيح المتوجه المعقول، من هذا الصحابي الجليل، يقتضي أنه لا يلي الخلافة أحد من أهل البيت إلا محمد بن عبد اللَّه المهدي الّذي يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى بن مريم، رغبة بهم عن الدنيا، و أن لا يدنسوا بها. و معلوم أن هؤلاء قد ملكوا ديار مصر مدة طويلة، فدل ذلك دلالة قوية ظاهرة على أنهم ليسوا من أهل البيت، كما نص عليه سادة الفقهاء. و قد صنف القاضي الباقلاني كتابا في الرد على هؤلاء و سماه «كشف الأسرار و هتك الأستار» بين فيه فضائحهم و قبائحهم، و وضح أمرهم لكل أحد، و وضوح أمرهم ينبئ عن مطاوى أفعالهم، و أقوالهم، و قد كان الباقلاني يقول في عبارته عنهم: هم قوم يظهرون الرفض و يبطنون الكفر المحض. و اللَّه سبحانه أعلم.
و في رجب و شعبان و رمضان أجرى الوزير فخر الملك صدقات كثيرة على الفقراء و المساكين و المقيمين بالمشاهد و المساجد و غير ذلك، و زار بنفسه المساجد و المشاهد، و أخرج خلقا من المحبوسين و أظهر نسكا كثيرا، و عمر دارا عظيمة عند سوق الدقيق. و في شوال عصفت ريح شديدة فقصفت كثيرا من النخل و غيره، أكثر من عشرة آلاف نخلة، و ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن