البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٥ - ثم دخلت سنة تسع و ستين و ثلاثمائة
ثم دخلت سنة تسع و ستين و ثلاثمائة
في المحرم منها توفى الأمير عمر بن شاهين صاحب بلاد البطيحة منذ أربعين سنة، تغلب عليها و عجز عنه الأمراء و الملوك و الخلفاء، و بعثوا إليه الجنود و السرايا و الجيوش غيره مرة، فكل ذلك يفلها و يكسرها، و كل ما له في تمكن و زيادة و قوة، و مكث كذلك هذه المدة، و مع هذا كله مات على فراشه حتف أنفه، فلا نامت أعين الجبناء. و قام بالأمر من بعده ولده الحسن فرام عضد الدولة أن ينتزع الملك من يده، فأرسل إليه سرية حافلة من الجنود فكسرهم الحسن بن عمر بن شاهين، و كاد أن يتلفهم بالكلية حتى أرسل إليه عضد الدولة فصالحه على مال يحمله إليه في كل سنة، و هذا من العجائب الغريبة. و في صفر قبض على الشريف أبى أحمد الحسن بن موسى الموسوي نقيب الطالبيين، و قد كان أمير الحج مدة سنين، اتهم بأنه يفشي الأسرار و أن عز الدولة أودع عنده عقدا ثمينا، و وجدوا كتابا بخطه في إفشاء الأسرار فأنكر أنه خطه و كان مزورا عليه، و اعترف بالعقد فأخذ منه و عزل عن النقابة و ولوا غيره، و كان مظلوما. و في هذا الشهر أيضا عزل عضد الدولة قاضى القضاة أبا محمد بن معروف، و ولى غيره و في شعبان منها ورد البريد من مصر إلى عضد الدولة بمراسلات كثيرة فرد الجواب بما مضمونه صدق النية و حسن الطوية ثم سأل عضد الدولة من الطائع أن يجدد عليه الخلع و الجواهر، و أن يزيد في إنشائه تاج الدولة، فأجابه إلى ذلك، و خلع عليه من أنواع الملابس ما لم يتمكن معه من تقبيل الأرض بين يدي الخليفة، و فوض إليه ما وراء بابه من الأمور و مصالح المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها، و حضر ذلك أعيان الناس، و كان يوما مشهودا. و أرسل في رمضان إلى الأعراب من بنى شيبان و غيرهم فعقرهم و كسرهم، و كان أميرهم منبه ابن محمد الأسدي متحصنا بعين التمر مدة نيف و ثلاثين سنة، فأخذ ديارهم و أموالهم.
و في يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة تزوج الطائع للَّه بنت عضد الدولة الكبرى، و عقد العقد بحضرة الأعيان على صداق مبلغه مائة ألف دينار، و كان وكيل عضد الدولة الشيخ أبا على الحسين بن أحمد الفارسي النحويّ، صاحب الإيضاح و التكملة، و كان الّذي خطب خطبة العقد القاضي أبو على الحسن بن على التنوخي. قال ابن الأثير: و فيها جدد عضد الدولة عمارة بغداد و محاسنها، و جدد المساجد و المشاهد، و أجرى على الفقهاء الأرزاق و على الأئمة من الفقهاء و المحدثين و الأطباء و الحساب و غيرهم، و أطلق الصلات لأرباب البيوتات و الشرف، و ألزم أصحاب الأملاك بعمارة بيوتهم و دورهم، و مهد الطرقات و أطلق المكوس و أصلح الطريق للحجاج من بغداد إلى مكة، و أرسل الصدقات للمجاورين بالحرمين. قال: و أذن لوزيره نصر بن هارون- و كان نصرانيا- بعمارة البيع و الأديرة و أطلق الأموال لفقرائهم.