البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - ثم دخلت سنة سبع و ستين و ثلاثمائة
من قيادك مع ما آتاك اللَّه و فضلك به على كثير من الناس، حتى أنزلك منازل الكافرين و الفاسقين.
قال اللَّه تعالى (وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَ سُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَ زُخْرُفاً) الآية. قال: فوجم الملك عند ذلك و بكى و قال: جزاك اللَّه خيرا، و أكثر في المسلمين مثلك. و قد قحط في بعض السنين فأمره الملك أن يستسقى للناس، فلما جاءته الرسالة مع البريد قال للرسول: كيف تركت الملك؟ فقال تركته أخشع ما يكون و أكثره دعاء و تضرعا. فقال القاضي: سقيتم و اللَّه، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء. ثم قال لغلامه: ناد في الناس الصلاة. فجاء الناس إلى محل الاستسقاء و جاء القاضي منذر فصعد المنبر و الناس ينظرون إليه و يسمعون ما يقول، فلما أقبل عليهم كان أول ما خاطبهم به قال:
(سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ثم أعادها مرارا فأخذ الناس في البكاء و النحيب و التوبة و الانابة، فلم يزالوا كذلك حتى سقوا و رجعوا يخوضون الماء.
أبو الحسن على بن أحمد
ابن المرزبان الفقيه الشافعيّ، تفقه بأبي الحسين بن القطان و أخذ عنه الشيخ أبو حامد الأسفراييني. قال ابن خلكان: كان ورعا زاهدا ليس لأحد عنده مظلمة، و له في المذهب وجه، و كان له درس ببغداد. توفى في رجب منها.
ثم دخلت سنة سبع و ستين و ثلاثمائة
فيها دخل عضد الدولة إلى بغداد و خرج منها عز الدولة بختيار و اتبعه عضد الدولة و أخذ معه الخليفة فاستعفاه فأعفاه، و سار عضد الدولة وراءه فأخذه أسيرا، ثم قتل سريعا و تصرمت دولته و استقر أمر عضد الدولة ببغداد، و خلع عليه الخليفة الخلع السنية و الأسورة و الطوق، و أعطاه لواءين أحدهما ذهب و الآخر فضة، و لم يكن هذا لغيره إلا لأولياء العهد، و أرسل إليه الخليفة بتحف سنية، و بعث عضد الدولة إلى الخليفة أموالا جزيلة من الذهب و الفضة و استقرت يده على بغداد و ما والاها من البلاد، و زلزلت بغداد مرارا في هذه السنة، و زادت دجلة زيادة كثيرة غرق بسببها خلق كثير، و قيل لعضد الدولة إن أهل بغداد قد قلوا كثيرا بسبب الطاعون و ما وقع بينهم من الفتن بسبب الرفض و السنة و أصابهم حريق و غرق، فقال: إنما يهيج الشر بين الناس هؤلاء القصاص و الوعاظ، ثم رسم أن أحدا لا يقص و لا يعظ في سائر بغداد و لا يسأل سائل باسم أحد من الصحابة، و إنما يقرأ القرآن فمن أعطاه أخذ منه. فعمل بذلك في البلد، ثم بلغه أن أبا الحسين بن سمعون الواعظ- و كان من الصالحين- لم يترك الوعظ بل استمر على عادته، فأرسل إليه من جاء به،