البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧ - محمد بن إسماعيل البخاري
الرمية شريف النفس، بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه فأرسل إليه: في بيته العلم و الحلم يؤتى- يعنى إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلى- و أبى أن يذهب إليهم. و السلطان خالد ابن أحمد الذهلي نائب الظاهرية ببخارى، فبقي في نفس الأمير من ذلك، فاتفق أن جاء كتاب من محمد بن يحيى الذهلي بأن البخاري يقول لفظه بالقرآن مخلوق- و كان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي و بين البخاري في ذلك كلام و صنف البخاري في ذلك كتاب أفعال العباد- فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري، و قد كان الناس يعظمونه جدا، و حين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب و الفضة يوم دخل بخارى عائدا إلى أهله، و كان له مجلس يجلس فيه للاملاء بجامعها فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من تلك البلاد، فخرج منها و دعا على خالد بن أحمد فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، و زال ملكه و سجن في بغداد حتى مات، و لم يبق أحد يساعده على ذلك إلا ابتلى ببلاء شديد، فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها خرتنك على فرسخين من سمرقند، فنزل عند أقارب له بها و جعل يدعو اللَّه أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين، لما
جاء في الحديث: «و إذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين».
ثم اتفق مرضه على إثر ذلك. فكانت وفاته ليلة عيد الفطر- و كان ليلة السبت- عند صلاة العشاء، و صلى عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة- أعنى سنة ست و خمسين و مائتين- و كفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص و لا عمامة، وفق ما أوصى به، و حين ما دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من ريح المسك ثم دام ذلك أياما ثم جعلت ترى سواري بيض بحذاء قبره. و كان عمره يوم مات ثنتين و ستين سنة. و قد ترك (رحمه اللَّه) بعده علما نافعا لجميع المسلمين، فعلمه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة، و
قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به» الحديث رواه مسلم
و شرطه في صحيحه هذا أعز من شرط كل كتاب صنف في الصحيح، لا يوازيه فيه غيره، لا صحيح مسلم و لا غيره. و ما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء.
صحيح البخاري لو انصفوه* * * لما خط إلا بماء الذهب
هو الفرق بين الهدى و العمى* * * هو السد بين الفتى و العطب
أسانيد مثل نجوم السماء* * * أمام متون لها كالشهب
بها قام ميزان دين الرسول* * * و دان به العجم بعد العرب
حجاب من النار لا شك فيه* * * يميز بين الرضى و الغضب
و ستر رقيق إلى المصطفى* * * و نص مبين لكشف الريب