البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - ثم دخلت سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة
حتى سجنه بالقلعة، فاختلف أولاده بينهم و صاروا أحزابا، و ضعفوا عما في أيديهم، فبعث أبو تغلب إلى عز الدولة يضمن منه بلاد الموصل بألف ألف كل سنة، و اتفق موت أبيه ناصر الدولة في هذه السنة، و استقر أبو تغلب بالموصل و ملكها، إلا أنهم فيما بينهم مختلفين متحاربين. و فيها دخل ملك الروم إلى طرابلس فأحرق كثيرا منها و قتل خلقا، و كان صاحب طرابلس قد أخرجه أهلها منها لشدة ظلمه، فأسرته الروم و استحوذوا على جميع أمواله و حواصله، و كانت كثيرة جدا، ثم مالوا على السواحل فملكوا ثمانية عشر بلدا سوى القرى، و تنصر خلق كثير على أيديهم ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و جاءوا إلى حمص فأحرقوا و نهبوا و سبوا، و مكث ملك الروم شهرين يأخذ ما أراد من البلاد و يأسر من قدر عليه، و صارت له مهابة في قلوب الناس، ثم عاد إلى بلده و معه من السبي نحو من مائة ألف ما بين صبي و صبية، و كان سبب عوده إلى بلاده كثرة الأمراض في جيشه و اشتياقهم إلى أولادهم، و بعث سرية إلى الجزيرة فنهبوا و سبوا، و كان قرعويه غلام سيف الدولة قد استحوذ على حلب و أخرج منها ابن أستاذه شريف، فسار إلى طرف و هي تحت حكمه فأبوا أن يمكنوه من الدخول إليهم، فذهب إلى أمه بميافارقين، و هي ابنة سعيد بن حمدان فمكث عندها حينا ثم سار إلى حماه فملكها، ثم عاد إلى حلب بعد سنتين كما سيأتي، و لما عاثت الروم في هذه السنة بالشام صانعهم قرعويه عن حلب، و بعث إليهم بأموال و تحف ثم عادوا إلى أنطاكية فملكوها و قتلوا خلقا كثيرا من أهلها، و سبوا عامة أهلها و ركبوا إلى حلب و أبو المعالي شريف محاصر قرعويه بها، فخافهم فهرب عنها فحاصرها الروم فأخذوا البلد، و امتنعت القلعة عليهم ثم اصطلحوا مع قرعويه على هدية و مال يحمله إليهم كل سنة، و سلموا إليه البلد و رجعوا عنه. و فيها خرج على المعز الفاطمي و هو بإفريقية رجل يقال له أبو خزر فنهض إليه بنفسه و جنوده، و طرده ثم عاد فاستأمنه فقبل منه و صفح عنه و جاءه الرسول من جوهر يبشره بفتح مصر و إقامة الدعوة له بها، و يطلبه إليها، ففرح بذلك و امتدحه الشعراء من جملتهم شاعره محمد بن هانئ قصيدة له أولها:
يقول بنو العباس قد فتحت مصر* * * فقل لبني العباس قد قضى الأمر
و فيها رام عز الدولة صاحب بغداد محاصرة عمران بن شاهين الصياد فلم يقدر عليه، فصالحه و رجع إلى بغداد. و فيها اصطلح قرعويه و أبو المعالي شريف، فخطب له قرعويه بحلب و جميع معاملاتها تخطب للمعز الفاطمي، و كذلك حمص و دمشق، و يخطب بمكة للمطيع باللَّه و للقرامطة، و بالمدينة للمعز الفاطمي. و خطب أبو أحمد الموسوي بظاهرها للمطيع. و ذكر ابن الأثير أن نقفور توفى في هذه السنة ثم صار ملك الروم إلى ابن الملك الّذي قبله، قال و كان يقال له الدمستق، و كان من أبناء المسلمين كان أبوه من أهل طرسوس من خيار المسلمين يعرف بابن الفقاس، فتنصر ولده هذا