البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢ - ذكر خلع المهتدي باللَّه و ولاية المعتمد أحمد بن المتوكل على اللَّه و إيراد شيء من فضائل المهتدي
علمه فابلغوا شفاء نفوسكم فيه و أما أنا فلست أعلم علمه. قالوا: فاحلف لنا على ذلك، قال أما اليمين فانى أبذلها لكم، و لكن أدخرها لكم حتى تكون بحضرة الهاشميين و القضاة و المعدلين و أصحاب المراتب في غد إذا صليت صلاة الجمعة قال: فكأنهم لانوا لذلك قليلا. فلما كان يوم الأحد لثمان بقين من صفر ظفروا بصالح بن وصيف فقتل و جيء برأسه إلى المهتدي باللَّه و قد انفتل من صلاة المغرب، فلم يزد على أن قال: واروه. ثم أخذ في تسبيحه و ذكره. و لما أصبح الصباح من يوم الاثنين رفع الرأس على رمح و نودي عليه في أرجاء البلد: هذا جزاء من قتل مولاه. و ما زال الأمر مضطربا متفاقما و عظم الخطب حتى أفضى إلى خلع الخليفة المهتدي و قتله (رحمه اللَّه).
ذكر خلع المهتدي باللَّه و ولاية المعتمد أحمد بن المتوكل على اللَّه و إيراد شيء من فضائل المهتدي
لما بلغ موسى بن بغا أن مساور الشاري قد عاث بتلك الناحية فسادا ركب إليه في جيش كثيف و معه مفلح و بايكباك التركي فاقتتلوا هم و مساور الخارجي و لم يظفروا به بل هرب منهم و أعجزهم، و كان قد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة فرجعوا و لم يقدروا عليه. ثم إن الخليفة أراد أن يخالف بين كلمة الأتراك فكتب إلى بايكباك أن يتسلم الجيش من موسى بن بغا و يكون هو الأمير على الناس و أن يقبل بهم إلى سامرا فلما وصل إليه الكتاب أقرأه موسى بن بغا فاشتد غضبه على المهتدي و اتفقا عليه و قصدا إليه إلى سامرا، و تركا ما كانا فيه. فلما بلغ المهتدي ذلك استخدم من فوره جندا من المغاربة و الفراغنة و الأشروسية و الارزكشية و الأتراك أيضا، و ركب في جيش كثيف فلما سمعوا به رجع موسى بن بغا إلى طريق خراسان و أظهر بايكباك السمع و الطاعة، فدخل في ثانى عشر رجب إلى الخليفة سامعا مطيعا، فلما أوقف بين يديه و حوله الأمراء و السادة من بنى هاشم شاورهم في قتله فقال له صالح بن على بن يعقوب بن أبى جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين لم يبلغ أحد من الخلفاء في الشجاعة ما بلغت، و قد كان أبو مسلم الخراساني شرا من هذا و أكثر جندا، و لما قتله المنصور سكنت الفتنة و خمد صوت أصحابه. فأمر عند ذلك بضرب عنق بايكباك ثم ألقى رأسه إلى الأتراك، فلما رأوا ذلك أعظموه و أصبحوا من الغد مجتمعين على أخى بايكباك طغوتيا فخرج إليهم الخليفة فيمن معه فلما التقوا خامرت الأتراك الذين مع الخليفة إلى أصحابهم و صاروا إلبا واحدا على الخليفة، فحمل الخليفة فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف ثم حملوا عليه فهزموه و من معه فانهزم الخليفة و بيده السيف صلتا و هو ينادى: يا أيها الناس انصروا خليفتكم. فدخل دار أحمد بن جميل صاحب المعونة، فوضع فيها سلاحه و لبس البياض و أراد أن يذهب فيختفى، فعاجله أحمد بن خاقان منها فأخذه قبل أن يذهب، و رماه بسهم و طعن في خاصرته به و حمل على دابة و خلفه سائس و عليه قميص و سراويل حتى أدخلوه دار أحمد بن خاقان، فجعل من هناك يصفعونه و يبزقون في وجهه، و أخذ خطه بستمائة ألف دينار،