البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٣ - خلافة المطيع للَّه
حتى لو أمرت بقتله قتله أصحابك، و لو وليت رجلا من العلويين اعتقدت أنت و أصحابك ولايته صحيحة فلو أمرت بقتله لم تطع بذلك، و لو أمر بقتلك لقتلك أصحابك. فلما فهم ذلك صرفه عن رأيه الأول و ترك ما كان عزم عليه للدنيا لا للَّه عز و جل.
ثم نشبت الحرب بين ناصر الدولة بن حمدان و بين معز الدولة بن بويه، فركب ناصر الدولة بعد ما خرج معز الدولة و الخليفة إلى عكبرا فدخل بغداد فأخذ الجانب الشرقي ثم الغربي، و ضعف أمر معز الدولة و الديلم الذين كانوا معه، ثم مكر به معز الدولة و خدعه حتى استظهر عليه و انتصر أصحابه فنهبوا بغداد و ما قدروا عليه من أموال التجار و غيرهم. و كان قيمة ما أخذ أصحاب معز الدولة من الناس عشرة آلاف ألف دينار، ثم وقع الصلح بين ناصر الدولة و معز الدولة، و رجع ابن حمدان إلى بلده الموصل، و استقر أمر معز الدولة ببغداد، ثم شرع في استعمال السعاة ليبلغ أخاه ركن الدولة أخباره، فغوى الناس في ذلك و علموا أبناءهم سعاة، حتى أن من الناس من كان يقطع نيفا و ثلاثين فرسخا في يوم واحد. و أعجبه المصارعون و الملاكمون. و غيرهم من أرباب هذه الصناعات التي لا ينتفع بها إلا كل قليل العقل فاسد المروءة، و تعلموا السباحة و نحوها، و كانت تضرب الطبول بين يديه و يتصارع الرجال و الكوسان تدق حول سور المكان الّذي هو فيه، و كل ذلك رعونة و قلة عقل و سخافة منه.
ثم احتاج إلى صرف أموال في أرزاق الجند فأقطعهم البلاد عوضا عن أرزاقهم، فأدى ذلك إلى خراب البلاد و ترك عمارتها إلا الأراضي التي بأيدي أصحاب الجاهات.
و في هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة و السنانير و الكلاب، و كان من الناس من يسرق الأولاد فيشويهم و يأكلهم. و كثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحد أحدا، بل يتركون على الطرقات فيأكل كثيرا منهم الكلاب، و بيعت الدور و العقار بالخبز، و انتجع الناس إلى البصرة فكان منهم من مات في الطريق و منهم من وصل إليها بعد مدة مديدة.
و فيها كانت وفاة القائم بأمر اللَّه أبى القاسم محمد بن عبد اللَّه المهدي، و ولى الأمر من بعده ولده المنصور إسماعيل، و كان حازم الرأى شديدا شجاعا كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية، و كانت وفاته في شوال من هذه السنة على الصحيح.
و فيها توفى الإخشيد محمد بن طغج صاحب الديار المصرية و البلاد الشامية، كانت وفاته بدمشق و له من العمر بضع و ستون سنة، و أقيم ولده أبو القاسم أبو جور- و كان صغيرا- و أقيم كافور الإخشيد أتابكه، و كان يدبر الممالك بالبلاد كلها، و استحوذ على الأمور كلها و سار إلى مصر فقصد سيف الدولة بن حمدان دمشق فأخذها من أصحاب الإخشيد، ففرح بها فرحا شديدا، و اجتمع بمحمد ابن محمد بن نصر الفارابيّ التركي الفيلسوف بها. و ركب سيف الدولة يوما مع الشريف العقيلي في