البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٢ - خلافة المطيع للَّه
ذكر أول دولة بنى بويه و حكمهم ببغداد
أقبل معز الدولة أحمد بن الحسن بن بويه في جحافل عظيمة من الجيوش قاصدا بغداد، فلما اقترب منها بعث إليه الخليفة المستكفي باللَّه الهدايا و الانزالات، و قال للرسول: أخبره أنى مسرور به، و أنى إنما اختفيت من شر الأتراك الذين انصرفوا إلى الموصل، و بعث إليه بالخلع و التحف، و دخل معز الدولة بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة، فنزل بباب الشماسية، و دخل من الغد إلى الخليفة فبايعه، و دخل عليه المستكفي و لقبه بمعز الدولة، و لقب أخاه أبا الحسن بعماد الدولة، و أخاه أبا على الحسن بركن الدولة، و كتب ألقابهم على الدراهم و الدنانير. و نزل معز الدولة بدار مؤنس الخادم، و نزل أصحابه من الديلم بدور الناس، فلقى الناس منهم ضائقة شديدة، و أمن معز الدولة ابن شيرزاد، فلما ظهر استكتبه على الخراج، و رتب للخليفة بسبب نفقاته خمسة آلاف درهم في كل يوم، و استقرت الأمور على هذا النظام و اللَّه أعلم.
ذكر القبض على الخليفة المستكفي باللَّه و خلعه
لما كان اليوم الثاني و العشرين من جمادى الآخرة حضر معز الدولة إلى الحضرة فجلس على سرير بين يدي الخليفة، و جاء رجلان من الديلم فمدا أيديهما إلى الخليفة فأنزلاه عن كرسيه، و سحباه فتحربت عمامته في حلقه، و نهض معز الدولة و اضطربت دار الخلافة حتى خلص إلى الحريم، و تفاقم الحال، و سيق الخليفة ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، و أحضر أبو القاسم الفضل بن المقتدر فبويع بالخلافة و سملت عينا المستكفي و أودع السجن فلم يزل به مسجونا حتى كانت وفاته في سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة كما يأتى ذكر ترجمته هناك.
خلافة المطيع للَّه
لما قدم معز الدولة بغداد و قبض على المستكفي و سمل عينيه استدعى بأبي القاسم الفضل بن المقتدر باللَّه، و قد كان مختفيا من المستكفي و هو يحث على طلبه و يجتهد، فلم يقدر عليه، و يقال إنه اجتمع بمعز الدولة سرا فحرضه على المستكفي حتى كان من أمره ما كان، ثم أحضره و بويع له بالخلافة و لقب بالمطيع للَّه، و بايعه الأمراء و الأعيان و العامة، و ضعف أمر الخلافة جدا حتى لم يبق للخليفة أمر و لا نهى و لا وزير أيضا، و إنما يكون له كاتب على أقطاعه، و إنما الدولة و مورد المملكة و مصدرها راجع إلى معز الدولة، و ذلك لأن بنى بويه و من معهم من الديلم كان فيهم تعسف شديد، و كانوا يرون أن بنى العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة إلى العلويين و استشار أصحابه فكلهم أشار عليه بذلك، إلا رجلا واحدا من أصحابه، كان سديد الرأى فيهم، فقال لا أرى لك ذلك. قال: و لم ذاك؟ قال: لأن هذا خليفة ترى أنت و أصحابك أنه غير صحيح الامارة