البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - بجكم التركي
في ليلة سابعة كانت ليلة برد و رعد و برق، فسقطت القبة الخضراء من قصر المنصور، و قد كانت هذه القبة تاج بغداد و مأثرة من مآثر بنى العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم، و كان بين بنيانها و سقوطها مائة و سبعة و ثمانون سنة. قال: و خرج عن الناس التشرينان و الكانونان منها و لم يمطروا فيها بشيء سوى مطرة واحدة لم ينبل منها التراب، فغلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر بمائة و ثلاثين دينارا.
و وقع الفناء في الناس حتى كان الجماعة يدفنون في القبر الواحد، من غير غسل و لا صلاة، و بيع العقار و الإناث بأرخص الأسعار، حتى كان يشترى بالدرهم ما يساوى الدينار في غير تلك الأيام و رأت امرأة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في منامها و هو يأمرها بخروج الناس إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، فأمر الخليفة بامتثال ذلك فصلى الناس و استسقوا فجاءت الأمطار فزادت الفرات شيئا لم ير مثله، و غرقت العباسية، و دخل الماء الشوارع ببغداد، فسقطت القنطرة العتيقة و الجديدة، و قطعت الأكراد الطريق على قافلة من خراسان، فأخذوا منهم ما قيمته ثلاثة آلاف دينار، و كان أكثر ذلك من أموال بجكم التركي. و خرج الناس للحج ثم رجعوا من أثناء الطريق بسبب رجل من العلويين قد خرج بالمدينة النبويّة، و دعا إلى نفسه و خرج عن الطاعة.
و فيها توفى من الأعيان
أحمد بن إبراهيم
ابن تزمرد الفقيه أحد أصحاب ابن سريج. خرج من الحمام إلى خارجة فسقط عليه الحمام فمات من فوره
بجكم التركي
أمير الأمراء ببغداد، قبل بنى بويه. كان عاقلا يفهم بالعربية و لا يتكلم بها. يقول أخاف أن أخطئ و الخطأ من الرئيس قبيح. و كان مع ذلك يحب العلم و أهله، و كان كثير الأموال و الصدقات، ابتدأ يعمل مارستان ببغداد فلم يتم، فجدده عضد الدولة ابن بويه، و كان بجكم يقول: العدل ربح السلطان في الدنيا و الآخرة. و كان يدفن أموالا كثيرة في الصحراء، فلما مات لم يدر أين هي، و كان ندماء الراضي قد التفوا على بجكم و هو بواسط، و كان قد ضمنها بثمانمائة ألف دينار من الخليفة، و كانوا يسامرونه كالخليفة، و كان لا يفهم أكثر ما يقولون، و راض له مزاجه الطيب سنان بن ثابت الصابي حتى لان خلقه و حسنت سيرته، و قلت سطوته، و لكن لم يعمر إلا قليلا بعد ذلك. و دخل عليه مرة رجل فوعظه فأبكاه فأمر له بمائة ألف درهم، فلحقه بها الرسول فقال بجكم لجلسائه: ما أظنه يقبلها و لا يريدها، و ما يصنع هذا بالدنيا؟ هذا رجل مشغول بالعبادة، ما ذا يصنع بالدراهم؟ فما كان بأسرع من أن رجع الغلام و ليس معه شيء، فقال بجكم: قبلها؟ قال: نعم! فقال بجكم: كلنا صيادون و لكن الشباك مختلفة. توفى لسبع بقين من رجب من هذه السنة. و سبب موته أنه خرج يتصيد فلقى طائفة من الأكراد فاستهان بهم فقاتلوه فضربه رجل منهم فقتله. و كانت إمرته على بغداد سنتين و ثمانية