البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٩ - ذكر خلافة المتقى باللَّه أبى إسحاق إبراهيم بن المقتدر
البريدي حدثته نفسه ببغداد، فأنفق المتقى أموالا جزيلة في الجند ليمنعوه من ذلك، فركب بنفسه، فخرج لأثناء الطريق ليمنعه من دخول بغداد، فخالفه البريدي و دخل بغداد في ثانى رمضان، و نزل بالشفيع، فلما تحقق المتقى ذلك بعث إليه يهنئه و أرسل إليه بالأطعمة، و خوطب بالوزير و لم يخاطبه بإمرة الأمراء. فأرسل البريدي يطلب من المتقى خمسمائة ألف دينار، فامتنع الخليفة من ذلك فبعث إليه يتهدده و يتوعده و يذكره ما حل بالمعز و المستعين و المهتدي و القاهر. و اختلفت الرسل بينهم، ثم كان آخر ذلك أن بعث الخليفة إليه بذلك قهرا، و لم يتفق اجتماع الخليفة و البريدي ببغداد حتى خرج منها البريدي إلى واسط، و ذلك أنه ثارت عليه الديالمة و التفوا على كبيرهم كورتكين، و راموا حريق دار البريدي، و نفرت عن البريدي طائفة من جيشه، يقال لهم البجكمية، لأنه لما قبض المال من الخليفة لم يعطهم منه شيئا، و كانت من البجكمية طائفة أخرى قد اختلفت معه أيضا و هم و الديالمة قد صاروا حزبين. و التفوا مع الديالمة فانهزم البريدي من بغداد يوم سلخ رمضان، و استولى كورتكين على الأمور ببغداد، و دخل إلى المتقى فقلده إمرة الأمراء، و خلع عليه، و استدعى المتقى على بن عيسى و أخاه عبد الرحمن ففوض إلى عبد الرحمن تدبير الأمور من غير تسمية بوزارة، ثم قبض كورتكين على رئيس الأتراك بكبك غلام بجكم و غرقه. ثم تظلمت العامة من الديلم، لأنهم كانوا يأخذون منهم دورهم، فشكوا ذلك إلى كورتكين فلم يشكهم، فمنعت العامة الخطباء أن يصلوا في الجوامع، و اقتتل الديلم و العامة، فقتل من الفريقين خلق كثير و جم غفير. و كان الخليفة قد كتب إلى أبى بكر محمد بن رائق صاحب الشام يستدعيه إليه ليخلصه من الديلم و من البريدي، فركب إلى بغداد في العشرين من رمضان و معه جيش عظيم، و قد صار إليه من الأتراك البجكمية خلق كثير، و حين وصل إلى الموصل حاد عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا ثم اصطلحا، و حمل ابن حمدان مائة ألف دينار، فلما اقترب ابن رائق من بغداد خرج كورتكين في جيشه ليقاتله، فدخل ابن رائق بغداد من غربيها و رجع كورتكين بجيشه فدخل من شرقيها، ثم تصافوا ببغداد للقتال و ساعدت العامة ابن رائق على كورتكين فانهزم الديلم و قتل منهم خلق كثير، و هرب كورتكين فاختفى، و استقر أمر ابن رائق و خلع عليه الخليفة و ركب هو و إياه في دجلة فظفر ابن رائق بكورتكين فأودعه السجن الّذي في دار الخلافة.
قال ابن الجوزي: و في يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأولى حضر الناس لصلاة الجمعة يجامع براثى، و قد كان المقتدر أحرق هذا الجامع لأنه كبسه فوجد فيه جماعة من الشيعة يجتمعون فيه للسب و الشتم، فلم يزل خرابا حتى عمره بجكم في أيام الراضي، ثم أمر المتقى بوضع منبر فيه كان عليه اسم الرشيد و صلى فيه الناس الجمعة. قال: فلم يزل تقام فيه إلى ما بعد سنة خمسين و أربعمائة. قال: و في جمادى الآخرة