البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٢ - أبو محمد جعفر المرتعش
منه. فلما انفصل بجكم بالجنود بلغه ما يريده البريدي من المكيدة به، فرجع سريعا إلى بغداد، و ركب في جيش كثيف إليه و أخذ الطرق عليه من كل جانب، لئلا يشعر به إلا و هو عليه. فاتفق أن بجكما كان راكبا في زورق و عنده كاتب له إذ سقطت حمامة في ذنبها كتاب فأخذه بجكم فقرأه فإذا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى أصحاب البريدي يعلمهم بخبر بجكم، فقال له بجكم: ويحك هذا خطك؟
قال: نعم! و لم يقدر أن ينكر، فأمر بقتله فقتل و ألقى في دجلة. و لما شعر البريدي بقدوم بجكم هرب إلى البصرة و لم يقم بها أيضا بل هرب منها إلى غيرها. و استولى بجكم على بلاد واسط، و تسلط الديلم على جيشه الذين خلفهم بالجبل ففروا سراعا إلى بغداد. و فيها استولى محمد بن رائق على بلاد الشام فدخل حمص أولا فأخذها، ثم جاء إلى دمشق و عليها بدر بن عبد اللَّه الإخشيد المعروف ببدر الإخشيد و هو محمد بن طغج، فأخرجه ابن رائق من دمشق قهرا و استولى عليها. ثم ركب ابن رائق في جيش إلى الرملة فأخذها، ثم إلى عريش مصر فأراد دخولها فلقيه محمد بن طغج الإخشيد فاقتتلا هناك فهزمه ابن رائق و اشتغل أصحابه بالنهب و نزلوا بخيام المصريين، فكر عليهم المصريون فقتلوهم قتلا عظيما، و هرب ابن رائق في سبعين رجلا من أصحابه، فدخل دمشق في أسوإ حال و شرها، و أرسل له ابن طغج أخاه نصر بن طغج في جيش فاقتتلوا عند اللجون في رابع ذي الحجة، فهزم ابن رائق المصريين و قتل أخو الإخشيد فيمن قتل، فغسله ابن رائق و كفنه و بعث به إلى أخيه بمصر و أرسل معه ولده و كتب إليه يحلف أنه ما أراد قتله، و لقد شق عليه، و هذا ولدى فاقتد منه. فأكرم الإخشيد ولد محمد بن رائق، و اصطلحا على أن تكون الرملة و ما بعدها إلى ديار مصر للإخشيد، و يحمل إليه الإخشيد في كل سنة مائة ألف دينار و أربعين ألف دينار، و ما بعد الرملة إلى جهة دمشق تكون لابن رائق.
و فيها توفى من الأعيان.
أبو محمد جعفر المرتعش
أحد مشايخ الصوفية، كذا ذكره الخطيب. و قال أبو عبد الرحمن السلمي: اسمه عبد اللَّه بن محمد أبو محمد النيسابورىّ، كان من ذوى الأموال فتخلى منها و صحب الجنيد و أبا حفص و أبا عثمان، و أقام ببغداد حتى صار شيخ الصوفية، فكان يقال عجائب بغداد إشارات الشبلي، و نكت المرتعش، و حكايات جعفر الخواص. سمعت أبا جعفر الصائغ يقول قال المرتعش: من ظن أن أفعاله تنجيه من النار أو تبلغه الرضوان فقد جعل لنفسه و فعله خطرا، و من اعتمد على فضل اللَّه بلغه اللَّه أقصى منازل الرضوان. و قيل للمرتعش: إن فلانا يمشى على الماء. فقال إن مخالفة الهوى أعظم من المشي على الماء، و الطيران في الهواء. و لما حضرته الوفاة بمسجد الشونيزية حسبوا ما عليه من الدين فإذا عليه سبعة عشر درهما، فقال: بيعوا خريقاتى هذه و اقضوا بها ديني، و أرجو من اللَّه تعالى أن يرزقني