البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - ثم دخلت سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة
في الحمام كما تقدم. فلما ولاه الخليفة إمرة الأمراء أسكن في دار مؤنس الخادم، و عظم أمره جدا و انفصل ابن رائق و كانت أيامه سنة و عشرة أشهر و ستة عشر يوما. و فيها بعث عماد الدولة بن بويه أخاه معز الدولة فأخذ الأهواز لأبى عبد اللَّه البريدي، و انتزعها من يد بجكم و أعادها إليه. و فيها استولى لشكرى أحد أمراء وشمكير الديلميّ على بلاد أذربيجان و انتزعها من رستم بن إبراهيم الكردي، أحد أصحاب ابن أبى الساج، بعد قتال طويل. و فيها اضطرب أمر القرامطة جدا و قتل بعضهم بعضا، و انكفوا بسبب ذلك عن التعرض للفساد في الأرض، و لزموا بلدهم هجر لا يرومون منه انتقالا إلى غيره، و للَّه الحمد و المنة.
و فيها توفى أحمد بن زياد بن عبد الرحمن الأندلسى، كان أبوه من أصحاب مالك، و هذا الرجل هو أول من أدخل فقه مالك إلى الأندلس و قد عرض عليه القضاء بها فلم يقبل.
ثم دخلت سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة
في المحرم منها خرج الراضي أمير المؤمنين إلى الموصل لمحاربة ناصر الدولة الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان نائبها، و بين يديه بجكم أمير الأمراء، و قاضى القضاة أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، و قد استخلف على بغداد ولده القاضي أبا نصر يوسف بن عمر، في منصب القضاء، عن امر الخليفة بذلك. و كان فاضلا عالما، و لما انتهى بجكم إلى الموصل واقع الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان فهزم بجكم ابن حمدان، و قرر الخليفة الموصل و الجزيرة، و ولى فيها. و أما محمد بن رائق فإنه اغتنم غيبة الخليفة عن بغداد و استجاش بألف من القرامطة و جاء بهم فدخل بغداد فأكثر فيها الفساد، غير أنه لم يتعرض لدار الخلافة، ثم بعث إلى الخليفة يطلب منه المصالحة و العفو عما جنى، فأجابه إلى ذلك، و بعث إليه قاضى القضاة أبا الحسين عمر بن يوسف، و ترحل ابن رائق عن بغداد و دخلها الخليفة في جمادى الأولى، ففرح المسلمون بذلك. و نزل عند غروب الشمس أول ليلة من شهر أذار في جمادى الأولى مطر عظيم، و برد كبار، كل واحدة نحو أوقيتين، و استمر فسقط بسببه دور كثيرة من بغداد.
و ظهر جراد كثير في هذه السنة و كان الحج من جهة درب العراق قد تعطل من سنة سبع عشرة و ثلاثمائة إلى هذه السنة، فشفع في الناس الشريف أبو على محمد بن يحيى العلويّ عند القرامطة، و كانوا يحبونه لشجاعته و كرمه، في أن يمكنهم من الحج، و أن يكون لهم على كل جمل خمسة دنانير، و على المحمل سبعة دنانير، فاتفقوا معه على ذلك، فخرج الناس في هذه السنة إلى الحج على هذا الشرط، و كان في جملة من خرج الشيخ أبو على بن أبى هريرة أحد أئمة الشافعية فلما اجتاز بهم طالبوه بالخفارة فثنى رأس راحلته و رجع و قال: ما رجعت شحا و لكن سقط عنى الوجوب بطلب هذه الخفارة. و فيها وقعت فتنة بالأندلس و ذلك أن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس الملقب