البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٥ - جحظة الشاعر البرمكي
ببغداد غلاء عظيم و فناء كثير بحيث عدم الخبز منها خمسة أيام، و مات من أهلها خلق كثير، و أكثر ذلك كان في الضعفاء، و كان الموتى يلقون في الطريق ليس لهم من يقوم بهم، و يحمل على الجنازة الواحدة الرجلان من الموتى، و ربما يوضع بينهم صبي، و ربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة. و مات من أهل أصبهان نحو من مائتي ألف إنسان. و فيها وقع حريق بعمان أحرق فيه من السودان ألف، و من البيضان خلق كثير، و كان جملة ما أحرق فيه أربعمائة حمل كافور. و عزل الخليفة أحمد بن كيغلغ عن نيابة الشام. و أضاف ذلك إلى ابن طغج نائب الديار المصرية. و فيها ولد عضد الدولة أبو شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة بن بويه بأصبهان.
و فيها توفى من الأعيان.
ابن مجاهد المقري
أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقري، أحد أئمة هذا الشأن. حدث عن خلق كثير، و روى عنه الدار قطنى و غيره، و كان ثقة مأمونا، سكن الجانب الشرقي من بغداد، و كان ثعلب يقول: ما بقي في عصرنا أحد أعلم بكتاب اللَّه منه. توفى يوم الأربعاء و أخرج يوم الخميس لعشر بقين من شعبان من هذه السنة. و قد رآه بعضهم في المنام و هو يقرأ فقال له: أ ما مت؟ فقال: بلى و لكن كنت أدعو اللَّه عقب كل ختمة أن أكون ممن يقرأ في قبره، فأنا ممن يقرأ في قبره. (رحمه اللَّه).
جحظة الشاعر البرمكي
أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، أبو الحسن النديم المعروف بجحظة الشاعر الماهر الأديب الأخباري، ذو الفنون في العلوم و النوادر الحاضرة، و كان جيد الغناء. و من شعره:
قد نادت الدنيا على نفسها* * * و لو كان في العالم من يسمع
كم آمل خيبت آماله* * * و جامع بددت ما يجمع
و كتب له بعض الملوك رقعة على صير في بمال أطلقه له فلم يحصل له، فكتب إلى الملك يذكر له ذلك.
إذا كانت صلاتكم رقاعا* * * تخطّط بالأنامل و الأكف
فلا تجد الرقاع على نفعا* * * فذا خطى فخذه بألف ألف
و من شعره يهجو صديقا له و يذمه على شدة شحه و بخلة و حرصه فقال:
لنا صاحب من أبرع الناس في البخل* * * يسمى بفضل، و هو ليس بذي فضل
دعاني كما يدعو الصديق صديقه* * * فجئت كما يأتى إلى مثله مثلي
فلما جلسنا للغداء رأيته* * * يرى أنما من بعض أعضائه أكلى
فيغتاظ أحيانا و يشتم عبده* * * فأعلم أن الغيظ و الشتم من أجلى
أمدّ يدي سرا لآكل لقمة* * * فيلحظنى شزرا فأعبث بالبقل