البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - أحمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية
فكانت تكرمه و تشترى له الجواري، فلما قتل ابنها و تولى مكانه طلبها و هي مريضة فعاقبها عقوبة عظيمة جدا، حتى كان يعلقها برجليها و رأسها منكوس، فربما بالت فيسيل البول على وجهها، ليقررها على الأموال فلم يجد لها شيئا سوى ثيابها و مصاغها و حليها في صناديقها. قيمة ذلك مائة ألف دينار، و ثلاثون ألف دينار، و كان لها غير ذلك أملاك أمر ببيعها و أتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها، فامتنع الشهود من الشهادة حتى ينظروا إليها و يحلوها، فرفع الستر بإذن الخليفة.
فقالوا لها: أنت شغب جارية المعتضد أم جعفر المقتدر؟ فبكت بكاء طويلا ثم قالت: نعم، فكتبوا حليتها عجوز سمراء اللون دقيقة الجبين. و بكى الشهود و تفكروا كيف يتقلب الزمان بأهله، و تنقل الحدثان و أن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها، و لا يسلم طلوعها من كسوفها، من ركن إليها أحرقته بنارها. و لم يذكر القاهر شيئا من إحسانها إليه (رحمها اللَّه) و عفا عنها. توفيت في جمادى الأولى من هذه السنة، و دفنت بالرصافة.
عبد السلام بن محمد
ابن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان، و هو أبو هاشم ابن أبى على الجبائي المتكلم ابن المتكلم، المعتزلي بن المعتزلي، و إليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، و له مصنفات في الاعتزال كما لأبيه من قبله، مولده سنة سبع و أربعين و مائتين، توفى في شعبان منها. قال ابن خلكان: و كان له ابن يقال له أبو على، دخل يوما على الصاحب بن عباد فأكرمه و احترمه و سأله عن شيء من المسائل فقال: لا أعرف نصف العلم. فقال: صدقت و سبقك أبوك إلى الجهل بالنصف الآخر.
أحمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية
أبو بكر بن دريد الأزدي اللغوي النحويّ الشاعر صاحب المقصورة، ولد بالبصرة في سنة ثلاث و عشرين و مائتين، و تنقل في البلاد لطلب العلم و الأدب، و كان أبوه من ذوى اليسار، و قدم بغداد و قد أسن فأقام بها إلى أن توفى في هذه السنة. روى عن عبد الرحمن بن أخى الأصمعي، و أبى حاتم و الرياشي. و عنه أبو سعيد السيرافي، و أبو بكر بن شاذان، و أبو عبيد اللَّه بن المرزبان و غيرهم. و يقال كان أعلم من شعر من العلماء. و قد كان متهتكا في الشراب منهمكا فيه. قال أبو منصور الأزهري:
دخلت عليه فوجدته سكران فلم أعد إليه. و سئل عنه الدار قطنى فقال: تكلموا فيه. و قال ابن شاهين: كنا ندخل عليه فنستحى مما نراه من العيدان المعلقة و آلات اللهو و الشراب المصفى و قد جاوز التسعين و قارب المائة. توفى يوم الأربعاء لثنتى عشرة بقيت من شعبان. و في هذا اليوم توفى أبو هاشم ابن أبى على الجبائي المعتزلي، فصلى عليهما معا، و دفنا في مقبرة الخيزران. فقال الناس: مات