البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - شغب أم أمير المؤمنين المقتدر باللَّه الملقبة بالسيدة
و خلقا، و عنه الدار قطنى و غيره. و كان ثقة صدوقا، جوادا ممدحا، اتفق في أيامه أن رجلا من أهل العلم كانت له جارية يحبها حبا شديدا، فركبته ديون اقتضت بيع تلك الجارية في الدين، فلما أن قبض ثمنها ندم ندامة شديدة على فراقها، و بقي متحيرا في أمره، ثم باعها الّذي اشتراها فوصلت إلى ابن أبى حامد هذا، و هو صاحب بيت المال، فتشفع صاحبها الأول- الّذي باعها في الدين- ببعض أصحاب ابن أبى حامد في أن يردها إليه بثمنها، و ذكر له أنه يحبها، و أنه من أهل العلم، و إنما باعها في دين ركبه لم يجد له وفاء. فلما قال له ذلك لم يكن عند ابن أبى حامد شعور بما ذكر له من أمر الجارية، و ذلك أن امرأته كانت اشترتها له و لم تعلمه بعد بأمرها حتى تحل من استبرائها، و كان ذلك اليوم آخر الاستبراء، فألبستها الحلي و المصاغ و صنعتها له و هيأتها، حتى صارت كأنها فلقة قمر، و كانت حسناء، فحين شفع صاحبه فيها و ذكر أمرها بهت لعدم علمه بها. ثم دخل على أهله يستكشف خبرها من امرأته، فإذا بها قد هيئت له، فلما رآها على تلك الصفة فرح فرحا شديدا إذ وجدها كذلك من أجل سيدها الأول، الّذي تشفع فيه صاحبه. فأخرجها معه و هو يظهر السرور، و امرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها و زينتها، فقال له: هذه جاريتك؟
فلما رآها على تلك الصفة في ذلك الحلي و الزينة مع الحسن الباهر اضطرب كلامه و اختلط في عقله مما رأى من حسن منظرها و هيئتها. فقال: نعم. فقال: خذها بارك اللَّه لك فيها. ففرح الفتى بها فرحا شديدا. و قال سيدي تأمر بمن يحمل ثمنها إليك؟ فقال: لا حاجة لنا بثمنها، و أنت في حل منه أنفقه عليك و عليها، فانى أخشى أن تفتقر فتبيعها لمن لا يردها عليك. فقال: يا سيدي و هذا الحلي و المصاغ الّذي عليها؟ فقال: هذا شيء وهبناه لها لا نرجع فيه و لا يعود إلينا أبدا، فدعا له و اشتد فرحه بها جدا و أخذها و ذهب. فلما أراد أن يودع ابن أبى حامد قال ابن أبى حامد للجارية:
أيما أحب إليك نحن أو سيدك هذا؟ فقالت: أما أنتم فقد أحسنتم إلى و أعنتمونى فجزاكم اللَّه خيرا، و أما سيدي هذا فلو أني ملكت منه ما ملك منى لم أبعه بالأموال الجزيلة و لا فرطت فيه أبدا. فاستحسن الحاضرون كلامها و أعجبهم ذلك من قولها، مع صغر سنها.
شغب أم أمير المؤمنين المقتدر باللَّه الملقبة بالسيدة
كان دخلها من أملاكها في كل سنة ألف ألف دينار، فكانت تتصدق بأكثر ذلك على الحجيج في أشربة و أزواد و أطباء يكونون معهم، و في تسهيل الطرقات و الموارد. و كانت في غاية الحشمة و الرئاسة و نفوذ الكلمة أيام ولدها، فلما قتل كانت مريضة فزادها قتله مرضا إلى مرضها، و لما استقر أمر القاهر في الخلافة و هو ابن زوجها المعتضد و أخو ابنها المقتدر، و قد كانت حضنته حين توفيت أمه و خلصته من ابنها لما أخذت البيعة بالخلافة له ثم رجع ابنها إلى الخلافة، فشفعت في القاهر و أخذته إلى عندها،