البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٠ - خلافة القاهر
و قد كان كثير التحجب و التوسع في النفقات، و زاد في رسوم الخلافة و أمور الرئاسة، و ما زاد شيء إلا نقص. كان في داره إحدى عشر ألف خادم خصى، غير الصقالبة و أبناء فارس و الروم و السودان، و كان له دار يقال لها دار الشجرة، بها من الإناث و الأمتعة شيء كثير جدا، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس حين قدم رسول ملك الروم. و قد ركب المقتدر يوما في حراقة و جعل يستعجل الطعام فأبطئوا به فقال للملاح: ويحك هل عندك شيء آكل؟ قال: نعم، فأتاه بشيء من لحم الجدي و خبز حسن و ملوحا و غير ذلك. فأعجبه ثم استدعاه فقال: هل عندك شيء من الحلواء، فانى لا أحسن بالشبع حتى آكل شيئا من الحلواء. فقال: يا أمير المؤمنين إن حلواءنا التمر و الكسب. فقال هذا شيء لا أطيقه. ثم جيء بطعام فأكل منه و أوتى بالحلواءات فأكل و أطعم الملاحين، و أمر أن يعمل كل يوم في الحراقة بمائتي درهم، حتى إذا اتفق ركوبه فيها أكل منها، و إن لم يتفق ركوبه كانت للملاح. و كان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم عدة سنين متعددة، و لم يتفق ركوبه مرة أخرى أبدا.
و قد أراد بعض خواصه أن يطهر ولده فعمل أشياء هائلة ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي عملت في طهور المقتدر من فضة ليراها الناس في هذا المهم، فتلطفت أم المقتدر عند ولدها حتى أطلقها له بالكلية، و كانت صفة قرية من القرى كلها من فضة، بيوتها و أعاليقها و أبقارها و جمالها، و دوابها و طيورها، و خيولها، و زروعها و ثمارها و أشجارها، و أنهارها و ما يتبع ذلك مما يكون في القرى، الجميع من فضة مصور، و أمر بنقل سماطه إلى دار هذا الرجل، و أن لا يكلف شيء من المطاعم سوى سمك طرى، فاشترى الرجل بثلاثمائة دينار سمكا طريا، و كان جملة ما أنفق الرجل على سماط المقتدر ألفا و خمسمائة دينار، و الجميع من عند المقتدر، و كان كثير الصدقة و الإحسان إلى أهل الحرمين و أرباب الوظائف، و كان كثير التنفل بالصلاة و الصوم و العبادة، و لكنه كان موثرا لشهواته، مطيعا لخصاياه كثير العزل و الولاية و التلون. و ما زال ذلك دأبه حتى كان هلاكه على يدي [غلمان] مؤنس الخادم، فقتل عند باب الشماسية لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة- أعنى سنة ثلاثمائة و عشرين- و له من العمر ثمان و ثلاثون سنة، و كانت مدة خلافته أربعا و عشرين سنة و إحدى عشر شهرا و أربعة عشر يوما، كان أكثر مدة ممن تقدمه من الخلفاء.
خلافة القاهر
لما قتل المقتدر باللَّه عزم مؤنس على تولية أبى العباس بن المقتدر بعد أبيه ليطيب قلب أم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور من حضر من الأمراء فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ:
بعد التعب و النكد نبايع لخليفة صبي له أم و خالات يطيعهن و يشاورهن؟ ثم أحضروا محمد بن المعتضد- و هو أخو المقتدر- فبايعه القضاة و الأمراء و الوزراء، و لقبوه بالقاهر باللَّه، و ذلك في سحر