البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٧ - محمد بن سعد أبو الحسين الوراق
الإسلام و وعدهم النصر منه و الاعانة، فدخلوا في جحافل عظيمة كثيرة جدا، و انضاف إليهم الأرمني فركب إليهم مفلح غلام يوسف بن أبى الساج و هو يومئذ نائب أذربيجان و اتبعه خلق كثير من المتطوعة، فقصد أولا بلاد ابن الديراني فقتل من الأرمن نحوا من مائة ألف، و أسر خلقا كثيرا، و غنم أموالا جزيلة، و تحصن ابن الديراني في قلعة له هناك، و كاتب الروم فوصلوا إلى شميشاط فحاصروها، فبعث أهلها يستصرخون سعيد بن حمدان نائب الموصل، فسار إليهم مسرعا، فوجد الروم قد كادوا يفتحونها، فلما علموا بقدومه رحلوا عنها و اجتازوا بملطية فنهبوها، و رجعوا خاسئين إلى بلادهم و معهم ابن نفيس المتنصر، و قد كان من أهل بغداد. و ركب ابن حمدان في آثار القوم فدخل بلادهم فقتل خلقا كثيرا منهم و أسر و غنم أشياء كثيرة. قال ابن الأثير: و في شوال من هذه السنة جاء سيل عظيم إلى تكريت ارتفع في أسواقها أربعة عشر شبرا، و غرق بسببه أربعمائة دار، و خلق لا يعلمهم إلا اللَّه، حتى كان المسلمون و النصارى يدفنون جميعا، لا يعرف هذا من هذا. قال: و فيها هاجت بالموصل ريح محمرة ثم اسودت حتى كان الإنسان لا يبصر صاحبه نهارا، و ظن الناس أنها القيامة ثم انجلى ذلك بمطر أرسله اللَّه عليهم.
و فيها توفى من الأعيان
الحسين بن عبد الرحمن أبو عبد اللَّه الأنطاكي قاضى ثغور الشام، يعرف بابن الصابوني، و كان ثقة نبيلا قدم بغداد و حدث بها.
على بن الحسين بن حرب بن عيسى أبو عبيد بن حربويه
تولى القضاء بمصر مدة طويلة جدا، و كان ثقة عالما من خيار القضاة و أعدلهم، تفقه على مذهب أبى ثور، و قد ذكرناه في طبقات الشافعية، و قد استعفى عن القضاء فعزل عنه في سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة، و رجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات في هذه السنة، في صفر منها، و صلى عليه أبو سعيد الإصطخري، و دفن بداره. قال الدار قطنى: حدث عنه أبو عبد الرحمن النسائي في الصحيح، و لعله مات قبله بعشرين سنة. و ذكر من جلالته و فضله (رحمه اللَّه).
محمد بن الفضل بن العباس أبو عبد اللَّه البلخي الزاهد. حكى عنه أنه مكث أربعين سنة لم يخط فيها خطوة في هوى نفسه، و لا نظر في شيء فاستحسنه حياء من اللَّه عز و جل، و أنه مكث ثلاثين سنة لم يمل على ملكيه قبيحا.
محمد بن سعد أبو الحسين الوراق
صاحب أبى عثمان النيسابورىّ، و كان فقيها يتكلم على المعاملات. و من جيد كلامه قوله: من غض بصره عن محرم أورثه اللَّه بذلك حكمة على لسانه يهتدى بها سامعوه، و من غض نفسه عن شبهة نور اللَّه قلبه نورا يهتدى به إلى طرق مرضاة اللَّه.