البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٦ - ثم دخلت سنة تسع عشرة و ثلاثمائة
يحيى بن محمد بن صاعد
أبو محمد مولى أبى جعفر المنصور، رحل في طلب الحديث، و كتب و سمع و حفظ، و كان من كبار الحفاظ، و شيوخ الرواية، و كتب عنه جماعة من الأكابر، و له تصانيف تدل على حفظه و فقهه و فهمه.
توفى بالكوفة و له سبعون سنة.
الحسن بن على بن أحمد بن بشار بن زياد
المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني، الشاعر المشهور، و كان أحد سمار المعتضد. و له مرثاة طنانة في هرّ له، قتله جيرانه لأنه أكل أفراخ حمامهم من أبراجهم. و فيها آداب و رقة، و يقال إنه أراد بها ابن المعتز لكنه لم يتجاسر أن ينسبها إليه من الخليفة المقتدر، لأنه هو الّذي قتله. و أولها:
يا هرّ فارقتنا و لم تعد* * * و كنت عندي بمنزلة الولد
و هي خمس و ستون بيتا.
ثم دخلت سنة تسع عشرة و ثلاثمائة
في المحرم منها دخل الحجيج بغداد، و قد خرج مؤنس الخادم إلى الحج فيها في جيش كثيف، خوفا من القرامطة، ففرح المسلمون بذلك و زينت بغداد يومئذ و ضربت الخيام و القباب لمؤنس الخادم، و قد بلغ مؤنسا في أثناء الطريق أن القرامطة أمامه، فعدل بالناس عن الجادة، و أخذ بهم في شعاب و أودية أياما فشاهد الناس في تلك الأماكن عجائب، و رأوا غرائب و عظاما في غاية الضخامة، و شاهدوا ناسا قد مسخوا حجارة. و رأى بعضهم امرأة واقفة على تنور تخبز فيه قد مسخت حجرا، و التنور قد صار حجرا. و حمل مؤنس من ذلك شيئا كثيرا إلى الخليفة ليصدق ما يخبر به من ذلك.
ذكر ذلك ابن الجوزي في منتظمه. فيقال إنهم من قوم عاد أو من قوم شعيب أو من ثمود فاللَّه أعلم.
و فيها عزل المقتدر وزيره سليمان بن الحسن بعد سنة و شهرين و تسعة أيام، و استوزر مكانه أبا القاسم عبيد اللَّه بن محمد الكلوذاني، ثم عزله بعد شهرين و ثلاثة أيام، و استوزر الحسين بن القاسم ثم عزله أيضا. و فيها وقعت وحشة بين الخليفة و مؤنس، بسبب أن الخليفة ولى الحسبة لرجل اسمه محمد بن ياقوت، و كان أميرا على الشرطة، فقال مؤنس: إن الحسبة لا يتولاها إلا القضاة و العدول و هذا لا يصلح لها. و لم يزل بالخليفة حتى عزل محمد بن ياقوت عن الحسبة و الشرطة أيضا، و انصلح، الحال بينهما. ثم تجددت الوحشة بينهما في ذي الحجة من هذه السنة، و ما زالت تتزايد حتى آل الحال إلى قتل المقتدر باللَّه كما سنذكره. و فيها أوقع ثمل متولى طرسوس بالروم وقعة عظيمة، قتل منهم خلقا كثيرا و أسر نحوا من ثلاثة آلاف، و غنم من الذهب و الفضة و الديباج شيئا كثيرا جدا، ثم أوقع بهم مرة ثانية كذلك. و كتب ابن الديراني الأرمني إلى الروم يحثهم على الدخول إلى بلاد