البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - أحمد بن إسحاق
عاملها منها، فركب إليهم، مؤنس الخادم فأوقع بهم بأسا شديدا، و قتل منهم خلقا كثيرا، فلم يقم لهم بعد ذلك قائمة. و في ربيع الأول منها عزل الخليفة ناصر الدولة بن حمدان عن الموصل، و ولى عليها عميه سعيدا و نصرا ابنا حمدان. و ولاه ديار ربيعة: نصيبين و سنجار و الخابور و رأس العين، و معها ميافارقين و ازرن، ضمن ذلك من الخليفة بمال يحمله إليه في كل سنة. و في جمادى الأولى منها خرج رجل ببلاد البواريج يقال له صالح بن محمود، فاجتمع عليه جماعة من بنى مالك، ثم سار إلى سنجار فحاصرها فدخلها و أخذ شيئا كثيرا من أموالها، و خطب بها خطبة و وعظ فيها و ذكر، فكان في جملة ما قال: نتولى الشيخين، و نتبرأ من الحسين، و لا نرى المسح على الخفين. ثم سار فعاث في الأرض فسادا فانتدب له نصر بن حمدان فقاتله فأسره و معه ابنان له. فحمل إلى بغداد فدخلها و قد اشتهر شهرة فظيعة. و خرج آخر ببلاد الموصل فاتبعه ألف رجل، فحاصر أهل نصيبين فخرجوا إليه فاقتتلوا معه، فقتل منهم مائة و أسر ألفا، ثم باعهم نفوسهم و صادر أهلها بأربعمائة ألف درهم، فانتدب إليه ناصر الدولة فقاتله فظفر به و أسره و أرسله إلى بغداد أيضا. و فيها خلع الخليفة على ابنه هارون و ركب معه الوزير و الجيش، و أعطاه نيابة فارس و كرمان و سجستان و مكرمات، و خلع على ابنه أبى العباس الراضي و جعله نائب بلاد المغرب و مصر و الشام، و جعل مؤنس الخادم يسد عنه أمورها.
و حج بالناس فيها عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي. و خرج الحجيج بغفارة بدرقة حتى يسلموا في الدرب في الذهاب و الإياب من القرامطة.
و فيها توفى من الأعيان
أحمد بن إسحاق
ابن البهلول بن حسان بن أبى سنان أبو جعفر التنوخي القاضي الحنفي، العدل الثقة، الرضى.
و كان فقيها نبيلا، سمع الحديث الكثير، و روى عن أبى كريب حديثا واحدا، و كان عالما بالنحو، فصيح العبارة، جيد الشعر، محمودا في الأحكام. اتفق أن السيدة أم المقتدر وقفت وقفا و جعل هذا عنده نسخة به في سلة الحكم، ثم أرادت أن تنقض ذلك الوقف فطلبت هذا الحاكم و أن يحضر معه كتاب الوقف لتأخذه منه فتعدمه، فلما حضر من وراء الستارة فهم المقصود فقال لها: لا يمكن هذا، لأني خازن المسلمين، فاما أن تعزلونى عن القضاء و تولوا هذا غيري، و إما أن تتركوا هذا الّذي تريدون أن تفعلوه، فلا سبيل إليه و أنا حاكم. فشكته إلى ولدها المقتدر فشفع عنده المقتدر بذلك، فذكر له صورة الحال. فرجع إلى أمه فقال لها: إن هذا الرجل ممن يرغب فيه و لا يزهد فيه، و لا سبيل إلى عزله و لا التلاعب به. فرضيت عنه و بعثت تشكره على ما صنع من ذلك. فقال:
من قدم أمر اللَّه على أمر العباد كفاه اللَّه شرهم، و رزقه خيرهم. و قد كانت وفاته في هذه السنة.
و قد جاوز الثمانين.