البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦ - موت الخليفة المعتز بن المتوكل
ابن إبراهيم، و كانوا قد تمالئوا على أكل بيت المال، و كانوا دوّاوين و غيرهم، فضربهم و أخذ خطوطهم بأموال جزيلة يحملونها، و ذلك بغير رضى من المعتز في الباطن و احتيط على أموالهم و حواصلهم و ضياعهم و سموا الكتاب الخونة و ولى الخليفة عن قهر غيرهم.
و في رجب منها ظهر عيسى بن جعفر و على بن زيد الحسنيان بالكوفة و قتلا بها عبد اللَّه بن محمد بن داود بن عيسى و استفحل أمرهما بها.
موت الخليفة المعتز بن المتوكل
و لثلاث بقين من رجب من هذه السنة خلع الخليفة المعتز باللَّه، و لليلتين مضتا من شعبان أظهر موته. و كان سبب خلعه أن الجند اجتمعوا فطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم، فسأل من أن تقرضه مالا يدفعهم عنه به فلم تعطه. و أظهرت أنه لا شيء عندها، فاجتمع الأتراك على خلعه فأرسلوا إليه ليخرج إليهم فاعتذر بأنه قد شرب دواء و أن عنده ضعفا، و لكن ليدخل إلى بعضكم.
فدخل إليه بعض الأمراء فتناولوه بالدبابيس يضربونه و جروا برجله و أخرجوه و عليه قميص مخرق ملطخ بالدم، فأقاموه في وسط دار الخلافة في حر شديد حتى جعل يراوح بين رجليه من شدة الحر، و جعل بعضهم يلطمه و هو يبكى و يقول له الضارب اخلعها و الناس مجتمعون ثم أدخلوه حجرة مضيقا عليه فيها. و ما زالوا عليه بأنواع العذاب حتى خلع نفسه من الخلافة و ولى بعده المهتدي باللَّه كما سيأتي. ثم سلموه إلى من يسومه سوء العذاب بأنواع المثلات، و منع من الطعام و الشراب ثلاثة أيام حتى جعل يطلب شربة من ماء البئر فلم يسق، ثم أدخلوه سربا فيه جص جير فدسوه فيه فأصبح ميتا، فاستلوه من الجص سليم الجسد و أشهدوا عليه جماعة من الأعيان أنه مات و ليس به أثر، و كان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة، و كان يوم السبت، و صلى عليه المهتدي باللَّه، و دفن مع أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصوامع، عن أربع و عشرين سنة.
و كانت خلافته أربع سنين و ستة أشهر و ثلاثة و عشرين يوما و كان طويلا جسيما وسيما أقنى الأنف مدور الوجه حسن الضحك أبيض أسود الشعر مجعده، كثيف اللحية حسن العينين ضيق الحاجبين أحمر الوجه و قد أثنى عليه الامام أحمد في جودة ذهنه و حسن فهمه و أدبه حين دخل عليه في حياة أبيه المتوكل، كما قدمنا في ترجمة أحمد. و روى الخطيب عن على بن حرب قال: دخلت على المعتز فما رأيت خليفة أحسن وجها منه، فلما رأيته سجدت فقال: يا شيخ تسجد لغير اللَّه؟ فقلت:
حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل ثنا بكار بن عبد العزيز بن أبى بكرة عن أبيه عن جده «أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا رأى ما يفرح به أو بشّر بما يسره سجد شكرا للَّه عز و جل».
و قال الزبير ابن بكار: سرت إلى المعتز و هو أمير فلما سمع بقدومي خرج مستعجلا إلى فعثر فأنشأ يقول:-