البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - ثم دخلت سنة ثنتى عشرة و ثلاثمائة
القرمطى ثمانمائة مقاتل، و عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة قصمه اللَّه. و لما انتهى خبرهم إلى بغداد قام نساؤهم و أهاليهم في النياحة و نشرن شعورهن و لطمن خدودهن، و انضاف إليهن نساء الذين نكبوا على يد الوزير و ابنه، و كان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية البشاعة و الشناعة، فسأل الخليفة عن الخبر فذكروا له أنهم نسوة الحجيج و معهن نساء الذين صادرهم ابن الفرات، و جاءت على يد الحاجب نصر بن القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين إنما استولى هذا القرمطى على ما استولى عليه بسبب إبعادك مؤنس الخادم المظفر، فطمع هؤلاء في الأطراف، و ما أشار عليك بابعاده إلا ابن الفرات، فبعث الخليفة إلى ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لنصحك إياي، و أرسل يطيب قلبه، فركب هو و ولده إلى الخليفة فدخلا عليه فأكرمهما و طيب قلوبهما، فخرجا من عنده فنالهما أذى كثير من نصر الحاجب و غيره من كبار الأمراء، و جلس الوزير في دسته فحكم بين الناس كعادته، و بات ليلته تلك مفكرا في أمره، و أصبح كذلك و هو ينشد:
فأصبح لا يدرى و إن كان حازما* * * أقدامه خير له أم داره؟
ثم جاءه في ذلك اليوم أميران من جهة الخليفة فدخلا عليه داره إلى بين حريمه و أخرجوه مكشوفا رأسه و هو في غاية الذل و الصغار، و الإهانة و العار، فأركبوه في حراقة إلى الجانب الآخر. و فهم الناس ذلك فرجموا ابن الفرات بالآجر، و تعطلت الجوامع و خربت العامة المحاريب، و لم يصل الناس الجمعة فيها، و أخذ خط الوزير بألفي ألف دينار، و أخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار، و سلما إلى نازوك أمير الشرطة، فاعتقلا حينا حتى خلصت منهما الأموال، ثم أرسل الخليفة خلف مؤنس الخادم، فلما قدم سلمهما إليه فأهانهما غاية الإهانة بالضرب و التقريع له و لولده المجرم الّذي ليس بمحسن، ثم قتلا بعد ذلك. و استوزر عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن يحيى بن خاقان أبو القاسم، و ذلك في تاسع ربيع الأول منها. و لما دخل مؤنس بغداد دخل في تجمل عظيم و شفع عند ابن خاقان في أن يرسل إلى على بن عيسى- و كان قد صار إلى صنعاء اليمن مطرودا- فعاد إلى مكة و بعث إليه الوزير أن ينظر في أمر الشام و مصر، و أمر الخليفة مؤنس الخادم بأن يسير إلى الكوفة لقتال القرامطة، و أنفق على خروجه ألف ألف دينار، و أطلق القرمطى من كان أسره من الحجيج، و كانوا ألفى رجل و خمسمائة امرأة، و أطلق أبا الهيجاء نائب الكوفة معهم أيضا، و كتب إلى الخليفة يسأل منه البصرة و الأهواز فلم يجب إلى ذلك، و ركب المظفر مؤنس في جحافل إلى بلاد الكوفة فسكن أمرها، ثم انحدر منها إلى واسط و استناب على الكوفة يا قوت الخادم، فتمهدت الأمور و انصلحت. و في هذه السنة ظهر رجل بين الكوفة و بغداد فادعى أنه محمد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن الحسين بن على بن أبى طالب، و صدقه على ذلك طائفة من الأعراب و الطغام، و التفوا عليه