البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٦ - أبو جعفر بن جرير الطبري
و تفرد بمسائل حفظت عنه. قال الخطيب: و بلغني عن الشيخ أبى حامد أحمد بن أبى طاهر الفقيه الأسفراييني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى ينظر في كتاب تفسير ابن جرير الطبري لم يكن ذلك كثيرا، أو كما قال. و روى الخطيب عن إمام الأئمة أبى بكر بن خزيمة أنه طالع تفسير محمد بن جرير في سنين من أوله إلى آخره، ثم قال: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، و لقد ظلمته الحنابلة. و قال محمد لرجل رحل إلى بغداد يكتب الحديث عن المشايخ- و لم يتفق له سماع من ابن جرير لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد- فقال ابن خزيمة: لو كتبت عنه لكان خيرا لك من كل من كتبت عنه. قلت: و كان من العبادة و الزهادة و الورع و القيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، و كان حسن الصوت بالقراءة مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن الصفات، و كان من كبار الصالحين، و هو أحد المحدثين الّذي اجتمعوا في مصر في أيام ابن طولون، و هم محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة، و محمد بن نصر المروزي، و محمد بن هارون الروياني، و محمد بن جرير الطبري هذا. و قد ذكرناهم في ترجمة محمد بن نصر المروزي، و كان الّذي قام فصلى هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، و قيل محمد بن نصر، فرزقهم اللَّه. و قد أراد الخليفة المقتدر في بعض الأيام أن يكتب كتاب وقف تكون شروطه متفقا عليها بين العلماء، فقيل له: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري، فطلب منه ذلك فكتب له، فاستدعاه الخليفة إليه و قرب منزلته عنده. و قال له: سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي. فقال لا بد أن تسألنى حاجة أو شيئا. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا السؤال يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع. فأمر الخليفة بذلك. و كان ينفق على نفسه من مغل قرية تركها له أبوه بطبرستان. و من شعره:
إذا أعسرت لم يعلم رفيقي* * * و أستغنى فيستغني صديقي
حيائى حافظ لي ماء وجهي* * * و رفقي في مطالبتى رفيقي
و لو أتى سمحت ببذل وجهي* * * لكنت إلى الغنى سهل الطريق
و من شعره أيضا
خلقان لا أرى طريقهما* * * بطر الغنى و مذلة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا* * * و إذا افتقرت فته على الدهر
و قد كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر و ثلاثمائة.
و قد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين، و في شعر رأسه و لحيته سواد كثير، و دفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة و رعاعهم منعوا من دفنه نهارا و نسبوه إلى الرفض، و من الجهلة من رماه بالإلحاد، و حاشاه من ذلك كله. بل كان أحد أئمة الإسلام علما و عملا بكتاب اللَّه و سنة رسوله، و إنما تقلدوا ذلك عن أبى بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري، حيث كان يتكلم فيه و يرميه بالعظائم