البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٣ - و هذه نبذة من سيرته و أحواله و كشف سريرته و أقواله
الآن أصحاب ينسبون إليه و يغالون فيه و يغلون. و قد كان الحلاج في عبارته حلو المنطق، و له شعر على طريقة الصوفية. قلت: لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره، فأما الفقهاء فحكى عن غير واحد من العلماء و الأئمة إجماعهم على قتله، و أنه قتل كافرا، و كان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا، و بهذا قال أكثر الصوفية فيه. و منهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه، و غرّهم ظاهره و لم يطلعوا على باطنه و لا باطن قوله، فإنه كان في ابتداء أمره فيه تعبد و تأله و سلوك، و لكن لم يمكن له علم و لا بنى أمره و حاله على تقوى من اللَّه و رضوان. فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. و قال سفيان بن عيينة:
من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، و من فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى، و لهذا دخل على الحلاج الحلول و الاتحاد، فصار من أهل الانحلال و الانحراف. و قد روى من وجه أنه تقلبت به الأحوال و تردد إلى البلدان، و هو في ذلك كله يظهر للناس أنه من الدعاة إلى اللَّه عز و جل.
و صح أنه دخل إلى الهند و تعلم بها السحر و قال: أدعو به إلى اللَّه، و كان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث- أي أنه من رجال الغيث- و يكاتبه أهل سركسان بالمقيت. و يكاتبه أهل خراسان بالمميز، و أهل فارس بأبي عبد اللَّه الزاهد. و أهل خوزستان بأبي عبد اللَّه الزاهد حلاج الأسرار. و كان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم. و أهل البصرة يقولون له: المحير، و يقال إنما سماه الحلاج أهل الأهواز لأنه كان يكاشفهم عن ما في ضمائرهم، و قيل لأنه مرة قال لحلاج: اذهب لي في حاجة كذا و كذا، فقال: إني مشغول بالحلج، فقال: اذهب فأنا أحلج عنك، فذهب و رجع سريعا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال إنه أشار بالمرود فامتاز الحب عن القطن، و في صحة هذا و نسبته إليه نظر، و إن كان قد جرى مثل هذا، فالشياطين تعين أصحابها و يستخدمونهم. و قيل لأن أباه كان حلاجا. و مما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة، منها شعره في ذلك فمن ذلك قوله:
جبلت و حك في روحي كما* * * يجبل العنبر بالمسك الفنق
فإذا مسّك شيء مسنى* * * و إذا أنت أنا لا نفترق
و قوله
مزجت روحك في روحي كما* * * تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسّك شيء مسنى* * * فإذا أنت أنا في كل حال
و قوله أيضا
قد تحققتك في سرى* * * فخاطبك لساني
فاجتمعنا لمعان* * * و افترقنا لمعان
إن يكن غيبك التعظيم* * * عن لحظ العيان
فلقد صيرك الوجد* * * من الأحشاء دان