البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - ثم دخلت سنة خمس و ثلاثمائة
اسم اللَّه الأعظم فقصده ليعلمه إياه، قال: فلما وردت عليه استهان بى و كانت لي لحية طويلة و معى ركوة طويلة. فجاء رجل يوما فناظر ذا النون فأسكت ذا النون، فقلت له: دع الشيخ و أقبل على.
فأقبل فناظرته فأسكته، فقام ذو النون فجلس بين يدي و هو شيخ و أنا شاب، ثم اعتذر إلى. فخدمته سنة ثم سألته أن يعلمني الاسم الأعظم، فلم يبعد منى و وعدني، فمكثت عنده بعد ذلك ستة أشهر، ثم أخرج إلى طبقا عليه مكبة مستورا بمنديل، فقال لي: اذهب بهذا الطبق إلى صاحبنا فلان.
قال: فجعلت أفكر في الطريق ما هذا الّذي أرسلنى به، فلما وصلت الجسر فتحته فإذا فأرة ففرت و ذهبت، فاغتظت غيظا شديدا، و قلت: ذو النون سخر بي، فرجعت إليه و أنا حنق فقال لي:
ويحك إنما اختبرتك، فإذا لم تكن أمينا على فأرة فأن لا تكون أمينا على الاسم الأعظم بطريق الأولى، اذهب عنى فلا أراك بعدها. و قد رئي أبو الحسين الرازيّ هذا في المنام بعد موته فقيل له:
ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لى بقولي عند الموت: اللَّهمّ إني نصحت الناس قولا و خنت نفسي فعلا، فهب خيانة فعلى لنصح قولي.
يموت بن المزرع بن يموت
أبو بكر العبديّ من عبد القيس، و هو ثوري، و هو ابن أخت الجاحظ. قدم بغداد و حدث بها عن أبى عثمان المازني و أبى حاتم السجستاني، و أبى الفضل الرياشي، و كان صاحب أخبار و آداب و ملح و قد غير اسمه بمحمد فلم يغلب عليه إلا الأول، و كان إذا ذهب يعود مريضا فدق الباب فقالوا: من؟ فيقول ابن المزرع و لا يذكر اسمه لئلا يتفاءلوا به.
ثم دخلت سنة خمس و ثلاثمائة
فيها قدم رسول ملك الروم في طلب المفاداة و الهدنة، و هو شاب حدث السن، و معه شيخ منهم و عشرون غلاما، فلما قدم بغداد شاهد أمرا عظيما جدا، و ذلك أن الخليفة أمر الجيش و الناس بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الأعداء، فركب الجيش بكماله و كان مائة ألف و ستين ألفا، ما بين فارس و راجل، غير العساكر الخارجة في سائر البلاد مع نوابها، فركبوا في الأسلحة و العدد التامة، و غلمان الخليفة سبعة آلاف، و أربعة آلاف بيض، و ثلاثة آلاف سود، و هم في غاية الملابس و العدد و الحلي، و الحجبة يومئذ سبعمائة حاجب، و أما الطيارات التي بدجلة و الزيارب و السمريات فشيء كثير مزينة، فحين دخل الرسول دار الخلافة انبهر و شاهد أمرا أدهشه، و رأى من الحشمة و الزينة و الحرمة ما يبهر الأبصار، و حين اجتاز بالحاجب ظن أنه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب، فمر بالوزير في أبهته فظنه الخليفة فقيل له: هذا الوزير. و قد زينت دار الخلافة بزينة لم يسمع بمثلها، كان فيها من الستور يومئذ ثمانية و ثلاثون ألف ستر، منها عشرة آلاف و خمسمائة ستر مذهبة، و قد بسط فيها اثنان و عشرون ألف بساط لم ير مثلها، و فيها من الوحوش قطعان متآنسة بالناس، تأكل من أيديهم