البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - النسائي أحمد بن على
الشام على مذهب الأوزاعي من حين مات إلى هذه السنة. و ثبت على مذهب الأوزاعي بقايا كثيرون لم يفارقوه، و كان ثقة عدلا من سادات القضاة، و كان أصله من أهل الكتاب من اليهود، ثم أسلم و صار إلى ما صار إليه. و قد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية.
ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثمائة
فيها وقف المقتدر باللَّه أموالا جزيلة و ضياعا على الحرمين الشريفين، و استدعى بالقضاة و الأعيان، و أشهدهم على نفسه بما وقفه من ذلك. و فيها قدم إليه بجماعة من الأسارى من الأعراب الذين كانوا قد اعتدوا على الحجيج، فلم يتمالك العامة أن اعتدوا عليهم فقتلوهم، فأخذ بعضهم فعوقب لكونه افتات على السلطان. و فيها وقع حريق شديد في سوق النجارين ببغداد فأحرق السوق بكماله، و في ذي الحجة منها مرض المقتدر ثلاثة عشر يوما، و لم يمرض في خلافته مع طولها إلا هذه المرضة.
و حج بالناس فيها الفضل الهاشمي، و لما خاف الوزير على الحجاج القرامطة كتب إليهم رسالة ليشغلهم بها، فاتهمه بعض الكتاب بمراسلته القرامطة، فلما انكشف أمره و ما قصده حظي بذلك عند الناس جدا.
و ممن توفى من الأعيان.
النسائي أحمد بن على
ابن شعيب بن على بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، الامام في عصره و المقدم على أضرابه و أشكاله و فضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، و اشتغل بسماع الحديث و الاجتماع بالأئمة الحذاق، و مشايخه الذين روى عنهم مشافهة. قد ذكرناهم في كتابنا التكميل و ترجمناه أيضا هنالك، و روى عنه خلق كثير، و قد جمع السنن الكبير، و انتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات. و قد وقع لي سماعهما. و قد أبان في تصنيفه عن حفظ و إتقان و صدق و إيمان و علم و عرفان. قال الحاكم عن الدار قطنى: أبو عبد الرحمن النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره، و كان يسمى كتابه الصحيح. و قال أبو على الحافظ: للنسائى شرط في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج، و كان من أئمة المسلمين. و قال أيضا: هو الامام في الحديث بلا مدافعة. و قال أبو الحسين محمد بن مظفر الحافظ. سمعت مشايخنا بمصر يعترفون له بالتقدم و الإمامة، و يصفون من اجتهاده في العبادة بالليل و النهار و مواظبته على الحج و الجهاد. و قال غيره: كان يصوم يوما و يفطر يوما، و كان له أربع زوجات و سريتان، و كان كثير الجماع، حسن الوجه مشرق اللون. قالوا: و كان يقسم للإماء كما يقسم للحرائر. و قال الدار قطنى: كان أبو بكر بن الحداد كثير الحديث و لم يرو عن أحد سوى النسائي و قال: رضيت به حجة فيما بيني و بين اللَّه عز و جل. و قال ابن يونس: كان النسائي إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، كان خروجه من مصر في سنة ثنتين و ثلاثمائة. و قال ابن عدي: سمعت منصورا الفقيه و أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين، و كذلك