البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢ - ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و مائتين
ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و مائتين
في رجب منها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير على جيش قريب من أربعة آلاف ليذهبوا إلى قتال عبد العزيز بن أبى دلف بناحية همذان، لأنه خرج عن الطاعة و هو في نحو من عشرين ألفا بناحية همذان، فهزموا عبد العزيز في أواخر هذه السنة هزيمة فظيعة، ثم كانت بينهما وقعة أخرى في رمضان عند الكرج فهزم عبد العزيز أيضا و قتل من أصحابه بشر كثير، و أسروا ذراري كثيرة حتى أسروا أم عبد العزيز أيضا، و بعثوا إلى المعتز سبعين حملا من الرءوس و أعلاما كثيرة، و أخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه من البلاد. و في رمضان منها خلع على بغا الشرابي و ألبسه التاج و الوشاحين. و في يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند مكان يقال له البوازيج، و ذلك أن رجلا يقال له مساور بن عبد الحميد حكم فيها و التف عليه نحو من سبعمائة من الخوارج، فقصد له رجل يقال له بندار الطبري في ثلاثمائة من أصحابه، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الخوارج نحو من خمسين، و قتل من أصحاب بندار مائتان و قيل و خمسون رجلا. و قتل بندار فيمن قتل (رحمه اللَّه). ثم صمد مساور إلى حلوان فقاتله أهلها و أعانهم حجاج أهل خراسان فقتل مساور منهم نحوا من أربعمائة قبحه اللَّه. و قتل من جماعته كثيرون أيضا. و لثلاث بقين من شوال قتل وصيف التركي و أرادت العامة نهب داره في سامرا و دور أولاده فلم يمكنهم ذلك، و جعل الخليفة ما كان إليه إلى بغا الشرابي.
و في ليلة أربع عشرة من ذي القعدة من هذه السنة خسف القمر حتى غاب أكثره و غرق نوره، و عند انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد اللَّه بن طاهر نائب العراق ببغداد. و كانت علته قروحا في رأسه و حلقه فذبحته، و لما أتى به ليصلي عليه اختلف أخوه عبيد اللَّه و ابنه طاهر و تنازعا الصلاة عليه حتى جذبت السيوف و ترامى الناس بالحجارة، و صاحت الغوغاء يا طاهر يا منصور: فمال عبيد اللَّه إلى الشرقية و معه القواد و أكابر الناس، فدخل داره و صلى عليه ابنه و كان أبوه قد أوصى إليه.
و حين بلغ المعتز ما وقع بعث بالخلع و الولاية إلى عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر فأطلق عبيد اللَّه للذي قدم بالخلع خمسين ألف درهم. و فيها نفى المعتز أخاه أبا أحمد من سرمنرأى إلى واسط، ثم إلى البصرة. ثم رد إلى بغداد أيضا. و في يوم الاثنين منها سلخ ذي القعدة التقى موسى بن بغا الكبير و الحسين بن أحمد الكوكبي الطالبي الّذي خرج في سنة إحدى و خمسين عند قزوين فاقتتلا قتالا شديدا، ثم هزم الكوكبي و أخذ موسى قزوين و هرب الكوكبي إلى الديلم. و ذكر ابن جرير عن بعض من حضر هذه الوقعة أن الكوكبي حين التقى أمر أصحابه أن يتترسوا بالحجف- و كانت السهم لا تعمل فيهم- فأمر موسى بن بغا أصحابه عند ذلك أن يطرحوا ما معهم من النفط ثم حاولوهم و أروهم أنهم قد انهزموا منهم، فتبعهم أصحاب الكوكبي، فلما توسطوا الأرض التي فيها النفط أمر عند ذلك