البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٤ - وفاة الخليفة المكتفي باللَّه
الساماني أمير خراسان و ما وراء النهر، و قد كان عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما كريما، و هو الّذي كان يحسن إلى محمد بن نصر المروزي و يعظمه و يكرمه و يحترمه و يقوم له في مجلس ملكه، فلما مات تولى بعده ولده أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني و بعث إليه الخليفة تشريفة. و قد ذكر الناس يوما عند إسماعيل بن أحمد هذا الفخر بالأنساب فقال: إنما الفخر بالأعمال و ينبغي أن يكون الإنسان عصاميا لا عظاميا- أي ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه و بلده و جده- كما قال بعضهم:* و يجدي سموت لا يجدوى* و قال آخر:
حسبي فخارا و شيمتي أدبى* * * و لست من هاشم و لا العرب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا* * * و ليس الفتى من يقول كان أبى
و في ذي القعدة منها كانت.
وفاة الخليفة المكتفي باللَّه
(أبو محمد بن المعتضد و هذه ترجمته و ذكر وفاته) و هو أمير المؤمنين المكتفي باللَّه بن المعتضد بن الأمير أبى أحمد الموفق بن المتوكل على اللَّه، و قد ذكرنا أنه ليس من الخلفاء من اسمه على سواه بعد على بن أبى طالب، و ليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن على بن أبى طالب و هو، و كان مولده في رجب سنة أربع و ستين و مائتين، و بويع له بالخلافة بعد أبيه و في حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع و ثمانين و مائتين، و عمره نحوا من خمس و عشرين سنة، و كان ربعة من الرجال جميلا رقيق الوجه حسن الشعر، وافر اللحية عريضها. و لما مات أبوه المعتضد و ولى هو الخلافة دخل عليه بعض الشعراء فأنشده:
أجل الرزايا أن يموت إمام* * * و أسنى العطايا أن يقوم إمام
فأسقى الّذي مات الغمام وجوده* * * و دامت تحيات له و سلام
و أبقى الّذي قام الآله و زاده* * * مواهب لا يفنى لهن دوام
و تمت له الآمال و اتصلت بها* * * فوائد موصول بهن تمام
هو المكتفي باللَّه يكفيه كلما* * * عناه بركن منه ليس يرام
فأمر له بجائزة سنية [و قد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله:
من لي بأن أعلم ما ألقى* * * فتعرف منى الصبابة و العشقا
ما زال لي عبدا و حبي له* * * صيرني عبدا له رقا
العتق من شأنى و لكنني* * * من حبه لا أملك العتقا
] [١]
[١] زيادة من المصرية.